اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني

Saturday
Sep 04th
Text size
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

جريدة الأخبار

أخبار ومقالات - جريدة الأخبار

نار (البارد) ذات لهب: عندما تبحث السلطة اللبنانية عن البطولة

لم تنتهِ أزمة نهر البارد بعد. المخيّم المدمّر ظاهر للعيان مهما
عملت الدولة على إخفاء معالم الجريمة، فيما تشكّل الأبنيّة الحديثة كارثة إنسانيّة بحق. المشكلة في نهر البارد ليست فقط في أن كارثة إنسانيّة لا بل مجزرة أكيدة حصلت بحق الشعب الفلسطيني هناك، بل كون السلطة ومن ورائها شعب لبنان غير العظيم يصرّان على استقاء البطولة والمجد من الحدث الذي أدّى إلى مقتل نحو خمسين من المدنيّين والمدنيّات (فيما كان أحمد فتفت يؤكّد في الإعلام أن مدنيّاً فلسطينيّاً واحداً قُتل في نهر البارد، بسيطة بالنسبة لفتفت صاحب إنجاز ثكنة مرجعيون التي ستقبّح وجه تاريخ لبنان إلى الأبد)

أسعد أبو خليل*
سبب العودة إلى الكلام عن نهر البارد هو عرض فيلم «وثائقي» عن نهر البارد على شاشة «أو. تي. في» الشديدة الاعتزاز بالفينيقيّة (والاختصاصيّة بالبذاءة والسوقيّة الجنسيّة في برنامج «لول» غير الظريف). الفيلم شكّل في عرضه استفزازاً صارخاً للشعب الفلسطيني أينما كان، ولمشاعر كل من يناصر قضيّة شعب فلسطين. الفيلم لا علاقة له بالنوع الوثائقي من حيث الإعداد، ودخل في باب الدعايّة السياسيّة من نوع الأفلام «الوثائقيّة» التي تبثّها محطات آل سعود ومحطات آل الحريري. ومديريّة التوجيه في الجيش بدت كأنها هي المخرج والملحّن والمنتج والممثّل في الفيلم. لكن الموضوع يتعلّق بجيش لبنان، لا بالماريشال للّو المرّ الذي يعتبر أي انتقاد له من تدبير العدوّ الإسرائيلي وبمثابة إهانة للجيش وكرامته.

الجيش اللبناني هو من تدبير الحكومة الفرنسيّة وإنشائها، وقد لعب فيه فؤاد شهاب (المتمتع بتقدير ومديح إعلامي وثقافي لا يستحقّهما) الدور الأكبر، وقد رسم حدود دور الجيش بالتنسيق مع السلطات الفرنسيّة، التي كان على وئام تام معها. فؤاد شهاب كان من أكثر اللبنانيّين انبهاراً وإعجاباً بالرجل الأبيض، وخصوصاً إذا ما نطق بالفرنسيّة. معلوم أن مستشاره الفرنسي كان يحضر اجتماعات مجلس الوزراء في عهده، وكان الوزراء لا يجرأون على معارضته أو مخالفته (كما روى فؤاد بطرس في مذكّراته). وكانت أحاديث شهاب عن اللبنانيّين والعرب تستقي ما عندها من تعميمات الرجل الأبيض العنصريّة عن العنصر الإثني «المتوحّش». أما في مجال السياسة العسكريّة للجيش، فقد رسم له شهاب دوراً واضحاً في إبعاده عن كل التزامات الصراع العربي الإسرائيلي وكل مترتّبات المواثيق الجامعة في العالم العربي. ولنتذكّر أن دول المواجهة مثل سوريا ومصر (وحتى الأردن في عام 1967) قدمت تضحيات جساماً من جيوشها ومالها وترابها في الحروب العربيّة الإسرائيليّة رغم فشل ذريع في أداء الأنظمة هناك. وحده لبنان بقي متفرّجاً وصامتاً كأنه في كوكب آخر، وكأن معاناة شعب فلسطين لا تعنيه. كان يوقّع على اتفاقات الدفاع العربي المشترك ويتجاهلها قبل أن يجفّ حبر التوقيع. من يجرؤ على الزعم أن لبنان الرسمي استبسل في حرب 1948؟ من يصدّق أن المير مجيد ردّ العدوان الصهيوني ببَعْكُوره؟ على العكس. فلبنان خالف الخطّة العربيّة الموضوعة عام 1948 ورفض أن يدخل أرض فلسطين لينجد شعبها. كان شهاب واضحاً في أن لا علاقة للبنان بالصراع العربي الإسرائيلي وأن الشعب الفلسطيني في لبنان يُحكم بحذاء المكتب الثاني.
نعلم اليوم أن الجيش اللبناني قبل الحرب اللبنانيّة كان يُعاني أزمات عميقة: طائفيّة وبنيويّة وسياسيّة (يُراجع كتاب فؤاد لحّود في هذا الصدد). العدوّ لم يكن إسرائيل بالنسبة للجيش. على العكس، العدوّ بالنسبة للجيش آنذاك كان أعداء إسرائيل في لبنان: هؤلاء اللبنانيّون والفلسطينيّون الذين واللواتي أصرّوا على أن يدفع لبنان قسطاً ولو بسيطاً من تحرير فلسطين، أو على الأقل الدفاع عن لبنان. تعرّض الجيش اللبناني لاعتداءات متكرّرة من إسرائيل، وكان الحكم اللبناني مصرّاً على الانحناء أمام عدوان إسرائيل، وتجاهله. تقرأ في عدد 8 حزيران 1949 من الـ«بالستاين بوست» (سلف «الجيروزالم بوست») مثلاً أن الجيش الإسرائيلي والجيش اللبناني لعبا مباراة كرة قدم وديّة في المنطقة الحدوديّة. هذا فيما كانت الجيوش العربيّة في مصر وسوريا تُعدّ للحرب المقبلة. يكفي أن تتذكّر أن إسرائيل اعتدت 140 مرّة على لبنان بين 1949 و1964. عام 1959، خطفت إسرائيل ثلاث طائرات لبنانيّة (واحدة عسكريّة واثنتيْن مدنيّتين) وأجبرتها على الهبوط في الأرض المحتلّة (راجع كتاب أمين مصطفى، «المقاومة في لبنان»). تفرّج لبنان الرسمي على أفعال إسرائيل وأرسل إشارات عبر لجان الهدنة طالباً السترة ومؤكّداً نيّاته الابتعاد عن الهموم القوميّة آنذاك. ومساهمة في حماية (بصورة مباشرة أو بالنتيجة) ظهر إسرائيل فيما هي تستعدّ لمواجهة مع جيران لبنان العرب، فرضت السلطة اللبنانية القمع في كل مخيّمات اللاجئين. وكان بمستطاع الجيش آنذاك التسلّح بأحدث المعدّات وكان له طائرات حربيّة استعملها في إلقاء الصواريخ على المخيّمات الفلسطينيّة، فيما التزمت تلك الطائرات النوم عندما كانت إسرائيل تستطلع وتقصف فوق لبنان. يكفي أن نذكر أن إسرائيل شنّت أكثر من 3000 اعتداء على لبنان بين 1968 و1974 وقتلت أكثر من 880 مدنياً ومدنيّة بين لبنانيّين وفلسطينيّين (راجع كتاب محمود سويد «الجنوب اللبناني في مواجهة إسرائيل»). اعتبرت السلطة أن لبنان غير معني بالصراع العربي الإسرائيلي، وما نُشر عن أوّل اجتماع للجنة الهدنة بين لبنان وإسرائيل بالعبريّة ذكر أن الوفد اللبناني عاجل إلى تطمين الوفد الإسرائيلي بـ«أننا لسنا عرباً»، وبالتالي غير معنيّين بمسوؤليّات صدّ إسرائيل وتحرير فلسطين، كان هذا شعاراً عربيّاً رسميّاً كاذباً آنذاك.
وتضخّم دور الجيش في لبنان بعد محاولة انقلاب الحزب القومي وتفرّغ الجيش إما لأهداف القمع الداخلي الموجّه ضد اليسار (لأسباب بعضها محلّي سياسي وبعضها الآخر يتعلّق بخدمة الحكومات الغربيّة الحنونة طبعاً، حنان «العزيز جيف») وإمّا لتكبيل الطاقة الثوريّة لأهل المخيّمات. وعندما ازدادت الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان، زاد قمع الجيش اللبناني ضد الثورة الفلسطينيّة ومؤيّديها من اللبنانيّين. كرّس الجيش عقيدة ابتعاد لبنان عن كل مترتّبات المساندة لثورة شعب فلسطين. والكلام عن تغيير عقيدة الجيش في لبنان في التسعينيات مهين للدولة اللبنانيّة والجيش لأنه يقرّ بعدم عداء لبنان ضد إسرائيل في معظم التاريخ المعاصر (هذا إذا صدّقنا أن الدولة هي معادية لإسرائيل اليوم فيما تذكر بعض المراجع عن حرب تمّوز أن السنيورة كان يُرسل عبر الفرنسيّين نصائح وإن غير مباشرة للإسرائيليّين حول أفضل الطرق للتخلّص من حزب الله).
يمكن تكوين فكرة عن عقيدة الجيش اللبناني في مرحلة ما قبل (وأثناء) الحرب من خلال كتاب طارق عبد الله «المستنقع» وفيه الكثير عن الطائفيّة وعن الجهر بالعداء لمناصرة القضيّة الفلسطينيّة. لم يمثّل عقيدة عدم معاداة إسرائيل أكثر من إسكندر غانم الذي شغل منصب قيادة الجيش في حقبة سليمان فرنجيّة. كان هو الذي نفّذ الأمر بتسليح الميليشيات اليمينيّة وتدريبها، وكان هو الذي مثّل التغاضي عن الاعتداءات الإسرائيليّة على لبنان على مرّ سنوات العهد المذكور. إن إصرار سليمان فرنجيّة على إبقاء إسكندر غانم عام 1973 بعد فضيحة وصول كوماندوس إسرائيلي إرهابي إلى قلب بيروت واغتيال ثلاثة من خيرة قادة المقاومة الفلسطينيّة في لبنان، أشعل أزمة حكوميّة أدّت إلى استقالة صائب سلام. تلا ذلك انقضاض الجيش على المخيّمات الفلسطينيّة المكتظّة وقصفها بطائراتي الهوكر هونتر اللتيْن تحلّقان في احتفالات الجيش مع تخاذلهما عن الدفاع عن لبنان بوجه اعتداءات إسرائيليّة متكرّرة. (لكن الماريشال للّو المرّ يعد باستيراد طائرات ورقيّة من روسيا قريباً). فشل الجيش فشلاً ذريعاً عندما حاول في مهمّة ذات دوافع وحوافز خارجيّة لا تخفى على الأخرق تقليد مجازر أيلول الأسود. منع مقاتلو الثورة الفلسطينيّة الأشدّاء في لبنان الجيش اللبناني من محاكاة الجيش الأردني الذي تنعَّمَ بمؤازرة أميركيّة وإسرائيليّة في مهمته الشنيعة. عندها، سلّمت السلطة السياسية الأمر للميليشيات اللبنانيّة التي كانت مرتبطة مبكّراً بدولة العدو الإسرائيلي وتتلقّى منه المعونات الماديّة والعسكريّة (أما آن الأوان كي يكفّ جوزف أبو خليل عن أكذوبة المركب في عرض البحر، وكيف أنه يممّ وجهه نحو فلسطين المحتلّة وكيف هبط عفواً على الشاطئ ليجد أمامه إسحق رابين وشمعون بيريز وغيرهما من القادة. يمكن تطوير الكذبة أو تحسينها).
لم يقف الجيش اللبناني على الحياد أثناء الحرب الأهليّة. على العكس، كان يساهم بصورة فعّالة وقويّة إلى جانب ميليشيات إسرائيل في لبنان (من الطريف أن أدوات العدو الإسرائيلي في لبنان هي الأكثر تغنّياً بشعارات السيادة والاستقلال). كانت حركة «جيش لبنان العربي» المدعومة من أبو جهاد تعبّر عن نقمة ضبّاط وعناصر في الجيش ضدّ انحياز قيادة اليرزة الصارخ (طائفيّاً ووطنيّاً). وقد حدثت انشقاقات في صلب الجيش وكان بعضها غير بعيد عن وجهات النظر الصهيونيّة (عاد الجيش وأرسل بعض نماذج من قادته كملحقين عسكريّين في عواصم مهمّة). شارك الجيش في قصف المخيّمات الفلسطينيّة وكانت قيادته رديفة لقيادة القوّات اللبنانيّة بالرغم من بروز صراع بين الطرفين في عهد سركيس بسبب إصرار بشير الجميّل، أسوأ لبناني على الإطلاق، على فرض نفوذ ميليشياه الإسرائيلي على نفوذ الجيش، بالإضافة إلى تعدّياته واغتيالاته. كان ميشال عون، مثلاً، مستشاراً لبشير الجميّل وساندت مدفعيّته ميليشيات إسرائيل في قصف مخيّم تل الزعتر وتدميره. وعندما اجتاحت إسرائيل لبنان عام 1978 وعام 1982، لم يطلق الجيش اللبناني رصاصة واحدة. ومن ساهم أو ساعد في فعل مقاومة، فعل ذلك تمرّداً. أما منزل رئيس الشعبة الثانية جوني عبده، فقد شكّل بيت ضيافة غير رسمي لآرييل شارون. كانت العقيدة غير المعادية لإسرائيل سائدة آنذاك: كانت العقيدة هي التنسيق مع إسرائيل. مثّلها جوني عبده. ولم تكن حركتا سعد حدّاد وأنطوان لحد (السيّئتا الذكر) بعيدتيْن عن القيادة السياسيّة (يروي فؤاد بطرس بعضاً من مداولات مجلس الوزراء في هذا الشأن وكيف وقف سليم الحص بوجه سركيس وبطرس اللذين عارضا معاقبة جيش لحد). وتذكر المصادر العبريّة أن سعد حدّاد بدأ علاقته بإسرائيل عام 1972 عندما كان يشغل منصباً رسميّاً في الجيش اللبناني.
أما في عهد أمين الجميّل، فقد تحوّل الجيش إلى ميليشيا رديفة لحزب الكتائب وشارك في قهر بيروت الغربيّة والضاحية. وقد ذاقت مناطق مدنيّة سكنيّة في بيروت الغربيّة وضاحيتها الجنوبيّة من حمم الجيش وصواريخه التي لم تكن تلاحظ يومها أن لبنان تحتله إسرائيل. ما علينا، انتهت الحرب (وَوَعدنا زكي ناصيف بإعادة إعمار لبنان) وتغيّرت عقيدة الجيش وتغيّرت البنية الطائفيّة للجيش. وهذا أمر حسن. صحيح أن الجيش لم يعد يعتمد عقليّة طائفيّة في النظر إلى مهمته، مع أنه بقي أسيراً للكوتا الطائفيّة المفروضة والتي لا يهرب منها جهاز في الدولة أو دائرة. اختطّ الجيش لنفسه موقفاً (خطابيّاً) معادياً لإسرائيل. أكثر من ذلك، ساند المقاومة سرّاً. لكن هل على الجيش أن يساند مقاومة بالسرّ وهي تسعى لتحرير أرض يُكلّف الجيش نفسه الدفاع عنها في قسمه الرسمي؟
هذه هي الإشكاليّة. تغيّرت عقيدة الجيش الرسميّة واللفظيّة والخطابيّة، وصعد إلى قيادة الجيش ضباط مُعادون للصهيونيّة (وكأنه كان على لبنان أن ينتظر كل تلك العقود كي تعادي قيادته إسرائيل). تغيّرت عقيدة الجيش ولم تتغيّر ممارسته العسكريّة. يقولون: لكن الجنود سيُقتلون لو واجهوا إسرائيل. الجواب: أليست هذه هي مهمة الجيش؟ الدفاع عن لبنان بوجه المُعتدي التاريخي الذي لم ولا يتوقّف عن الاعتداء، وحتى الموت هو واجبهم؟ ثم، إذا كان صبية من المقاومة قد قاوموا إسرائيل بأسلحة أدنى من مستوى أسلحة الجيش، ألا يجب على الجيش المساهمة؟ يقولون: لكنه سقط للجيش شهداء في عدوان تموز. هذا صحيح، لكنهم سقطوا في قواعدهم من دون قتال. الجيش ساند المقاومة بالسرّ وهذا حسن، وإن كان الماريشال للّو المرّ غائباً عن السمع، وإن كان قد أصدر تهديداً بعدما بدأت إسرائيل بالقصف (وبعدما تمنّع الجيش عن التدخّل) بأن الجيش لن يقف مكتوفاً عندما تدخل قوّات العدو الأراضي اللبنانيّة، وهدّد بأن الجيش سيلقّن العدو «درساً لن ينساه». ودخلت قوّات العدو واختفى للّو المرّ عن السمع، وتم تلقين العدو درساً لن ينساه من قبل المقاومة.
وتعالت بعض الأصوات بمجرّد انتهاء الحرب (من يذكر أن أول صوت مشبوه صدر مُطالباً بنشر الجيش في الجنوب لحماية ظهر إسرائيل صدر عن مُفتي صور المطرود، علي الأمين، وفي جريدة «النهار»؟) تشدّد على دور الجيش مع أن الحرب، إن دلّت على شيء، فعلى عدم صلاحية الجيش في مواجهة إسرائيل.
لكن الصفاقة هي في عرض ذلك الفيلم بعنوان «نار البارد». الفيلم مفروض أن يكون مستقّلاً، لكنه كان واضحاً أنه معدّ بالاشتراك مع مديريّة التوجيه في الجيش. أولاً، ما هذا الاستسهال في استعمال كلمة «إرهاب» في كل ما يتصل بالمخيّمات الفلسطينيّة، فيما يتمنّع الجيش والدولة عن وصف جرائم إسرائيل بالإرهاب؟ لماذا درج رئيس الجمهوريّة والجيش اللبناني وباقي الإعلام على الإشارة إلى الإرهاب فقط في ما يتعلّق بالشعب الفلسطيني وحركاته؟ لا مجال اليوم لإعادة البحث في موضوع نهر البارد، ولو كان لبنان بلداً ديموقراطيّاً لوجبت الدعوة إلى تشكيل لجنة تحقيق في أسباب ما حدث وعن قدرة عصابة مسلّحة (فتح الإسلام) على الانتقال المدجّج بالسلاح من عين الحلوة إلى نهر البادر. هذا السؤال يرد على ألسنة سكّان نهر البارد باستمرار.
نفهم أن الجيش اللبناني يحتاج إلى رفع معنويّاته بسبب التخاذل التاريخي بوجه العدوان الإسرائيلي المتكرّر على لبنان، وبسبب قدرة ميليشيات مسلّحة على منافسة الجيش في عقر داره. لكن أفضل وأوّل طريقة لرفع معنويّات الجيش تكون بوضع خطة جديّة (لا يشرف عليها الماريشال الهزلي للّو المرّ) من أجل مواجهة إسرائيل، ومن أجل استيراد السلاح من أي مصدر مُتاح. وعندما أعلن قائد الجيش هذا الأسبوع بعد اجتماعه بفرديرك هوف أن المعونات العسكريّة الأميركيّة للجيش ستستمرّ، فإن في ذلك إيذاناً بتفاهم ما سرّي ومتين يطمئن الأميركيّين ويضمن عدم استعمال الجيش ضدّ إسرائيل. إذا كان الأمر عكس ذلك، فلتعلن قيادة الجيش أساس التفاهم الذي أدّى إلى استمرار «العون» العسكري الأميركي.فيلم «نار البارد» إهانة لذكاء المشاهد وإهانة لضحايا المخيّم الذين واللواتي لم ينتموا لعصابة فتح الإسلام. ما معنى أن تزهو مديريّة التوجيه بحجم الصواريخ التي كانت تُرمى من الطوّافات فوق المخيّم؟ هل يدرك المتحدّث مدى عدم دقّة الإصابة في هذا الاستعمال المُستحدَث؟ وما معنى أن يقول المتحدّث إن خبراء «عالميّين» أبدوا إعجاباً بقدرات الجيش؟ ألا يتوقّف هذا الهوس اللبناني البائس بطلب شهادات وجوائز لا وجود لها عند الرجل الأبيض من أجل رفع المعنويّات الوطنيّة؟ ثم، ألم يكن مشهد تصوير قارورة غاز كنموذج عن الأسلحة الخطيرة في المخيّم مضحكاً (أو مُبكياً)؟
أنا زرت نهر البارد في تمّوز وسمعت شهادة الناجين والناجيات. أبرز الذين تحدثت إليهم كانوا من اليسار العلماني قبل أن يُتهموا بدعم الأصوليّة. إذلال أهل المخيّم يبدأ على حواجز الجيش حيث شاهدت أكبر نقطة عسكريّة في كل تجوالي في لبنان من الشمال إلى الجنوب هذا الصيف. هل اختلط الأمر على الدولة بين الشمال والجنوب؟ ثم إن المنازل المُعلّبة (وهي أشبه بعلب في الحقيقة) تعامل السكان مثل الحيوانات، والحرّ يصل إلى درجة أن الناس تبيت بين المنازل وفي العراء. والناس في البارد لم يسكتوا على الضيم: قصص معاناتهم تُروى وتنتشر في أوساط الشعب الفلسطيني. ومعرض الصور في المخيّم يختصر القصّة.
القول إن تدمير البارد تمّ بقرار سياسي هو صحيح، لكن الجيش بقيادته وعناصره يتحمّلون مسؤوليّة ما جرى أيضاً، وخصوصاً أن أهل البارد تعرّضوا لممارسات من الإذلال والضرب، كما أن المنازل تعرّضت للسرقة وهناك صور كثيرة عن شعارات بذيئة ومهينة كتبها البعض على جدران المنازل. ويتساءل أهل المخيّم عن السبب الذي دفع بالجيش إلى تدمير المخيّم بعد انتهاء القتال رغم الكثير من المنازل كان لا يزال صالحاً للسكن. كان القرار السياسي (المحلّي والإقليمي والدولي) متخذاً، ولم يُقبل أي جدال فيه. طبعاً، يمكن أن نزيد الكثير عن الوعود الكاذبة والمواعيد الخياليّة التي أطلقها السنيورة، لكن الحديث يقتصر على دور الجيش هنا. مَن حاسب ومَن ساءل هؤلاء الجنود الذي أهانوا ضحايا نهر البارد؟ ولماذا سارعت الثقافة اللبنانيّة إلى تبنّي تدمير البارد واعتنقت النظرة الصهيونيّة باعتبار كل فلسطيني إرهابياً (قال ريمون جبارة ذلك جهاراً في ملحق «النهار» الذي يعمل على أساس أن حقوق الإنسان تتعرّض للخرق في دولة عربيّة واحدة، ثم عاد ونسي خرق الحقوق في تلك الدولة عندما زار الشيخ سعد سوريا، إنها المبدئيّة يا ناس، يا هوه).
نار البارد لم تُخمد والجراح لم تبرد والدموع لم تجفّ. ومجد الجيش ليس في البارد، وليس في أي مخيّم فلسطيني. وجهة السعي نحو المجد هي جنوبيّة. إلى الجنوب در.

 
أخبار ومقالات - جريدة الأخبار

سامي حوّاط... يستردّ حقّه الضائع

سامي حوّاط... يستردّ حقّه الضائع

البرنامج الموسيقي بين «بابل» و«المدينة»
الأغنية الصوفيّة التقليديّة التي يؤدّيها منشدون سوريّون الليلة في ضيافة جواد الأسدي، والمتجددة مع بشار زرقان الليلة في ضيافة نضال الأشقر... والأغنية الاجتماعيّة الملتزمة، كما يقدّمها الفنّان اللبناني العائد من عزلته، غداً وبعد غد، في «بابل» مع فرقته «الرحالة»

بشير صفير
صام الفنان الملتزم سامي حوّاط فترة طويلة عن تقديم الحفلات محلياً، ليفطِر على إطلالة رمضانية تختتم موسم مسرح «بابل» البيروتي على مدى ليلتَيْن متتاليتَيْن، غداً وبعد غدٍ. بعد إطلالات معدودة في عام 2008، انكفأ حوّاط عن الساحة الفنية، ليقتصر نشاطه على أعمالٍ مخصّصة للأطفال والتأليف الموسيقي والغنائي للمسرح (آخرها عزف حيّ في مسرحية «رحلة محتار إلى شري نغار» لجلال خوري). وقام الفنان الخمسيني بجولةٍ خارج الحدود، وتحديداً في إسبانيا التي قدّم فيها سلسلة حفلات. ثم ترك الجمهور ينتظر...
وها هو الموسم الرمضاني يعيد سامي حوّاط إلى دائرة الضوء، مع فرقته «الرحالة». لكن، هل تكون عودة عابرة؟ ممكن. فحوّاط ترك منطقة رأس بيروت منذ فترة، وهرب من تكاذب المجتمع المديني، إلى صِدق القرية والأرض والبيت القديم في زبدين (قضاء جبيل). هنا يسعى إلى تأسيس مشروعه الخاص بعيداً من بيروت، فهو في طور إنشاء مركز ثقافي، ومسرح صيفي للأطفال. أما «خصوصية شارع المكحول»، فلم تعد تعني له الكثير. أقله في الوقت الحاضر. وكذلك الحراك الثقافي (والنضالي إن وجِد) المحيط بهذا الشارع. قد يكون هذا الرحيل هروباً من الأوهام أو الخيبات.
لكن، من دون شك، ثمة حق ضائع لسامي لم يعرف كيف (أو لم يرِد أن) يستردّه. وثمة حقوق لم يعرف كيف يحافظ عليها. هذه مسؤوليته ولو جزئياً. وجاءت بعض التعليقات الصحافيّة حول قدراته الصوتية، لتزيد «في الطين بلّة»! وهل عند سامي أكمل من صوته في كل العناصر المكوّنة لشخصيّته الموسيقية؟ مع الأسف، لقد ظلم الإعلام هذا الرجل مرتَيْن: عندما تجاهله، وعندما تناوله. ربما يكون السبب في ابتعاد سامي عن بيئته في مكانٍ آخر. لكنه كان متوقعاً. فلقد لمَّح فنان الشعب إلى حالات التعب في عددٍ من أغانيه. في «أحد الإخوان» (كلمات محمد العبد الله) مثلاً، حيث يردّد «... لأني تعبان، وإن شئتم قرفان...». ويضاف إلى ذلك، الهزائم التي مني بها اليسار بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وفرار رفاق سامي (مِن فنانين وغيرهم) إلى ضفاف النجاة... أينما وجدت! الكل «دبَّر حالو»، ومَن صمد ولا يزال صامداً كان أقل يأساً أو أشد مناعة وصلابة. أما سامي فرفض التنازل، في الوقت الذي تغلب فيه اليأس على رقته المعهودة، وبساطته الفطرية التي تمنعه من الوقوف في وجه الريح ومحاربتها، أو استغلالها والسير في اتجاهها.
في كل هذا، يتحمل الجمهور جزءاً من المسؤولية. ففي كل حفلة يتذمّر بعضهم من الفوضى التي تنزلق إليها السهرة مع سامي، إثر حماسة مفرطة تجرّ البرنامج إلى غير المقرّر تقديمه. هذا حق للجمهور. لكن في كل مرة يحدث ذلك، يكون البادئ هو الجمهور الذي يجد بين صفوفه مَن يستغل طيبة سامي، ويقتحم المساحة الأمامية للقاعة رافعاً الأعلام الحزبية وراقصاً الدبكة، كأن السهرة يجب أن تسير وفقاً إيقاعه الخاص. مِن المؤكد أن تكرار هذه الحوادث، انعكس تذمراً دائماً لدى شريحة من الجمهور، قد يكون وصل جزءٌ منه إلى مسامع الفنان الحسّاس الذي قرّر إرضاء الجميع، قائلاً: «أنسحِب».
ليس ما سبق سوى محاولة للاحتفال بخروج فناننا من عزلته الطوعية، وحثه على مواصلة نشاطه وتقديم الجديد بشكل جدّي. فبعد مرحلة أولى في كنف زياد الرحباني (مسرحاً وغناءً)، وتجربة غنائية مستقلة نتج منها ألبومات خاصة مثل «في شي ما شي» و«الرأي العام» و«رحّالة»، لا بدّ لسامي حوّاط من الاستفادة من هذه المسيرة الحافلة، للانطلاق مجدداً في مرحلة جديدة تؤمن له

سيقدّم ثلاث أغنيات من تلحينه وكلمات جلال خوري، أدرجت في العملين الأخيرين للمسرحي المذكور
الاستمرارية وتجدّد علاقته بالجمهور، أو بالفن أولاً.
في إطلالته الرمضانية، سيقدم سامي حوّاط بعضاً من قديمه، وثلاث أغنيات من كلمات جلال خوري، كان قدّ لحنها حوّاط لعملَيْن مسرحيّيْن للأخير هما «الطريق إلى قانا» و«رحلة محتار إلى شري نغار»، إضافة إلى أغنية «ملّا مرا» (كلمات جورج يمين) ومقطوعتَيْن موسيقيتَيْن هما «حتى ولو كان» و«ما أوّل عَ آخر»، وغيرها... هكذا إذاً، يأتي برنامج أمسيتَيْ سامي حوّاط المقبلتين، على غرار أي حفلة له، مع العلم بأنه كان من المتوقّع أن يفرد المساحة الكبرى للمقطوعات ذات الطابع الصوفي التأملي من أسطوانة «رحالة» (يقدّم منها مقطوعة واحدة). أما فرقة «الرحالة» التي سترافق حوّاط في «بابل»، فتتألف مِن وفاء البيطار (قانون)، أحمد الخطيب (رقّ وإيقاعات)، طوني جدعون (كمان)، رمزي أبو كامل (غيتار)، رائد أبو كامل (كلارينت وناي)، فؤاد أبو كامل (باص)، ويشارك في الغناء كورس مؤلف من جوليا ساموتي وريّا وفدا مراد.
بين الافتتاح مع زياد سحّاب والختام مع سامي حوّاط، قُدِّر هذه السنة لنشاط مسرح «بابل» الرمضاني أن تطوّقه من الجانبَيْن اللحى... العلمانية! لكن هذه التظاهرة الفنية المنفتِحَة على الطوائف والمعتقدات، لم تمنع أحد أزقة بيروت من أن يكون له رأيٌ آخر.
أخبار ومقالات - جريدة الأخبار

العيون في حي السلم محمرّة

العيون في حي السلم محمرّة

كما تنتشر النار في الهشيم، انتشر «أدينو فايرس» أو فيروس التهاب العين. هو وباء ينتقل بسرعة هائلة من مصاب إلى آخر، عن طريق اللمس والاحتكاك المباشر، فكيف الحال في المناطق الشعبية التي تتلاصق فيها الأنفاس، كما حي السلم؟

راجانا حمية
كان ذلك منذ بضعة أشهر، حين قررت الفتاة حزم أمتعتها والرحيل بعيداً عن الحي الذي بقيت فيه خمس سنوات بأيامها ولياليها. لم تزره منذ ذلك الحين إلا نادراً، لإحضار ما يلزمها من بيت الحي. في تلك الزيارات، لم يكن الوقت الذي تقضيه هناك يتعدى الساعات الثلاث أو حتى أقل، تغادر بعدها من دون أن تحسب أنها راجعة يوماً إليه. لكنها في كل مرة، كانت تعود.. ولا تبقى. أول من أمس، قررت أن تعود في «بروفة» لعودة قد تكون نهائية. لكن، يا «فرحة ما تمّت». فأول وصولها إلى الحي، فوجئت بالأعداد الهائلة للمصابين بفيروس التهاب العيون. كل الحيّ «مضروب»: سائق سيارة الأجرة التي استقلتها للوصول إلى زاروب منزلها. البقّال. العابرون على الطريق. الجيران. حتى باتت كأنها دخلت لتوّها حي «مصّاصي الدماء». تترصدها العيون التي انقلب لونها دماً. فالداخل إلى الحي هذه الأيام، عقب انتشار فيروس التهاب العين، شبه متأكد من أن «الحالة» سوف «تُضرب» عيناه بمجرد إطالة البقاء فيه. فلا أحد سلم أو قد يسلم من الفيروس في المنطقة الأكثر شعبية، حيث الأنفاس تتلاصق، فكيف الحال بالوقاية التي تفترض الابتعاد قدر الإمكان عن المصاب أو تجنب لمسه أو استعمال أغراضه. وهي وقاية يستحيل تطبيقها أو الحفاظ عليها إن وُجدت في أكثر الأحياء اكتظاظاً بالفقراء، الذين لا طاقة لهم على شراء أدوات الوقاية أو زيارة طبيب لمجرّد الاطمئنان.
هنا، في حيّ السلّم كما في غيره من الأحياء الفقيرة التي تزدحم بها الضاحية الجنوبية، لا يكاد بيت يخلو من الإصابة بهذا الفيروس، مع ما يعنيه ذلك من إمكانية انتقال العدوى من المصاب إلى أفراد عائلته، ما لم يتبع بعض إجراءات الوقاية. هكذا، تسلّم وتسليم إلى حين يختبر الكل أوجاع هذا الفيروس. لا بل بات البحث عن متعافٍ لم «تُضرب» عيناه أشبه بضرب من ضروب المستحيل.
ندى حيدر، الشابة ابنة الثانية وعشرين لم تتعافَ بعد من إصابة التقطتها من أحد جيرانها. سهرت الشابة مع الجار «من بعيد لبعيد»، وخلدت إلى فراشها لتصحو باكراً.. بعينين متورمتين لدرجة التصاق الجفون بإفرازات الفيروس، وهي أول عوارض الإصابة. تقول الشابة «استيقظت في الصباح، فلم أستطع فتح عيني. أحسست بأنني عمياء في تلك اللحظة وبأن شيئاً غريباً يتحرك داخلهما». بقيت على حالها أياماً عدّة، تستيقظ خلالها بعيون متورمة وجفون مطبقة. تمضي نهارها بالنظارة السوداء التي لم تعد تفارقها حتى داخل المنزل. حيدر، التي «فتحت» بعد حوالى أسبوع من الإصابة نقلت العدوى إلى والدتها.
في المنزل العائلي، انحصرت الإصابة بالابنة والوالدة، بفضل اتباعهما إجراءات الوقاية كغسل العيون واستخدام مضادات الحساسية. لكن، ما الذي حلّ في بيت يوسف الزين، الشاب العائد من خدمته العسكرية بعينين يغلب عليهما الدم؟ ببساطة ما إن انتهت العطلة حتى كان قد خلّف وراءه خمس إصابات: الوالد. الوالدة. الأشقاء الثلاثة.
يصف الزين الوجع الذي يترافق مع أيام الأولى للإصابة، فيقول وكأنه يحس بذلك الوخز للتو «تشعرين كأنّ عينيك تنطّان من رأسك عندما تنحنين، أما الألم فلا يكاد يوصف». أما فرح سبيتي التي كانت في اليوم السادس للإصابة، فتصف المرحلة المتقدمة منه على الشكل الآتي «تتورّم العينان ويحتقن الدم فيهما ولا يعود النظر قادراً على التقاط التفاصيل إلا بالتبحر»، كما يشح النظر قليلاً، ولا يعود إلى وضوحه إلا «عندما يأخذ الالتهاب وقته». زينب حيدر، العاملة في إحدى الصيدليات، لم تصب بعد بالفيروس، ولكنها معرّضة في أية لحظة لهذا «الاجتياح»، وخصوصاً أنها منذ بداية انتشار الفيروس لم تهدأ، حيث مددت دوام عملها لتلبية طلبات المصابين المتزايدة يوماً بعد آخر، والإجابة عن استفساراتهم. تصف حيدر مشهد الصيدلية التي كانت حتى وقت قريب خالية إلا من بضعة زبائن، فتقول «حتى القيلولة حُرمت منها بسبب الداخلين إلى الصيدلية والخارجين منها». تحصي عدد المصابين، فلا تستطيع حصرهم، وجل ما يمكنها قوله «فوق الثلاثين مصاباً يومياً».
الأعداد تزداد يوماً بعد يوم، فيما الأدوية والمعقمات في الصيدليات «تتناقص يوماً بعد آخر وقد تنفد في بعض الأماكن لأيام»، تضيف السيّد. لكن، ماذا لو بقي الفيروس على «طلعته»، في وقت تنفد فيه أدويته بسرعة؟ أو تنقطع لفترات محدودة؟ الجواب الأقرب البقاء في المنزل مع إجراءات النظافة والتعقيم إلى أن تتوافر العلاجات، والحؤول دون نقل العدوى إلى الآخرين.
لكن، ماذا لو «ضرب» هذا الفيروس قرنية العين؟ وما مدى الضرر الذي يلحقه بها، وخصوصاً أن بيان وزارة الصحة أكّد عدم تأثر البصر بالفيروس؟ ثمة ما يجب قوله رغم تأكيد الأبحاث العلمية، أن هذا الفيروس المعدي غير خطير، إلا أنه من الممكن أن يُحدث بعض التأثيرات. وفي هذا الإطار، يوضح طبيب العيون كميل المعلوف أنه «من الممكن أن تتأثر القرنية لسببين: أولهما إن أتت الالتهابات في منطقة القرنية، وثانيهما وهو تركيبة الفيروس، فهو يسمى أدينوفايروس ومعناه بكتيريا وفيروس، والأخير قد يترك أثراً على القرنية إن أصابها، فيخف النظر قليلاً». ويقول المعلوف إن النظر «قد يخف من 30 إلى 40%، وقد يبقى هذا الشح حتى ستّة أشهر، يعود بعدها النظر»، محذراً من أن «هذه العودة قد لا تكون كاملة وقد تعود بنسبة 90 إلى 95%». يؤكد الطبيب أن «الآثار تخف كثيراً، ولكن بيضلّ في شي منه»، ضارباً مثالاً عن «الجرح بعد 3 سنين، كيف بضل شكله مبين في الأثر؟ هكذا هي القرنية». ولئن كان الطبيب قد أشار إلى أن «لا إصابات من هذا

الأعداد تزداد يوماً بعد يوم فيما الأدوية والمعقمات في الصيدليات تتناقص

النوع إلى الآن»، ولكن، ماذا لو حدث؟ بادئ الأمر، أكدت الوزارة قبل بضعة أيام ببيان توضيحي، «عدم خطورة هذا المرض، فهو لا يؤثر في أي حال على البصر». وأشارت إلى «أنها أخذت عينات من الإفرازات عند المصابين وأرسلتها للتحليل، وقد أكدت نتائج الزرع عدم وجود بكتيريا مسببة للالتهاب». ولمزيد من التأكيد، أشار المدير العام لوزارة الصحة الدكتور وليد عمار إلى «أن هذا الفيروس يزول وحده من دون الحاجة إلى علاجات، بالوقاية فقط». ولكن، أشار إلى أنه «إذا لم يتعافَ في فترة 10 أيام، وهي المدة المطلوبة لذلك، يجب عليه استشارة الطبيب خوفاً من أن يكون هناك تلييف بالقرنية مثلاً، ولكن في جميع الحالات تعالج ولا تؤثر أبداً على النظر». ويضيف «بعدين، كل مرض حتى لو كان بسيطاً بإمكانه أن يسبّب اشتراكات، ونحن هنا نتكلم عن 1% أو 1 بالألف عن إصابات من هذا النوع».
وفي تفصيل لهذا الفيروس، فهو يسمى الفيروس الوبائي «الأدينوفايرس» adenovirus، وهو من أكثر التهابات العين و«الملتحمة» انتشاراً ويطال جميع الأعمار. وتشير الأبحاث العلمية إلى أنه يطال خاصة الفئة العمرية المحصورة بين عشرين وأربعين عاماً.



عوارض «الأدينوفيروس»

هناك نوعان لفيروس التهاب العين: الأول قد يأتي بصورة وبائية ويصيب الملتحمة وقد يمتد إلى قرنية العين. أما الثاني، فيأتي على شكل التهاب في الحلق يتبعه التهاب بملتحمة العين.
ويأتي هذا الفيروس عن طريق اللمس أو الاحتكاك أو التقاط إفرازات الجهاز التنفسي العلوي أو من استخدام الأغراض التي استخدمها المصاب أو من السباحة والحمامات. ومن خلال الاطلاع على الحالات المصابة، يشير الأطباء والصيادلة إلى أن عوارض هذا الفيروس تبدأ بـ«حكّة» في العين ومن ثم احمرارها أو التهاب الحلق أو ما يشبه الإنفلونزا. وبعد ذلك، يبدأ الإحساس بوجود جسم غريب في العين وذرف دموع غزيرة، إضافة إلى عدم القدرة على التعرض للنور. أما طرق الوقاية، فتوجب غسل اليدين جيداً والتعقيم الدائم والنظافة الشخصية وتجنب الاحتكاك المباشر مع المصابين، إضافة إلى استخدام العلاجات من كمادات باردة ومرطبات العين وبعض القطرات المضادة للحساسية (هيستامين) والقابضة للأوعية الدموية.


عدد الخميس ٢ أيلول ٢٠١٠
أخبار ومقالات - جريدة الأخبار

الإمبراطوريّة الجريح

خالد صاغية
من النادر أن يعثر المرء على وزير دفاع يتمتّع بحسّ فكاهة. لكنّ الولايات المتحدة الأميركية تملك واحداً من هؤلاء. فلمناسبة سحب عدد من الجنود الأميركيين من العراق، علّق روبرت غيتس قائلاً: «إنّ مشكلة الحرب بالنسبة إلى الأميركيّين تكمن في أنّ الأسباب التي قُدِّمت لتبريرها لم تكن صالحة»، أي إنّ الحرب خيضت بحجّة أسلحة دمار شامل، تبيّن أنّها غير موجودة. لكنّ ذلك لم يمنع السيّد غيتس من التوصّل إلى خلاصة مفادها أنّه بالرغم من هذا التضليل في البداية، فإنّ «النتيجة جيّدة من وجهة النظر الأميركيّة».
إذا وضعنا الفكاهة جانباً، فمن الصعب الاستنتاج كيف وصل وزير الدفاع الأميركي إلى هذه النتيجة «الجيّدة». فالأرقام المتوافرة تشير إلى 4400 قتيل أميركي، أكثر من 35000 جريح، وما يفوق 700 مليار دولار حُرِم المواطن الأميركيّ منها كي تستخدمها حكوماته لتمويل حربها في العراق. علماً بأنّ رقم المليارات المتداول هذا متواضع قياساً لحسابات قام بها اقتصاديّون ضمّنوا نفقات الحرب مليارات إضافيّة من التكاليف غير المباشرة.
فلنضع الأرقام جانباً، إذ يمكن وزير الدفاع أن يعتبر كلّ ذلك عَرضياً لو كانت الولايات المتحدة الأميركية قد تمكّنت من تعزيز موقع هيمنتها على العالم. لكنّ الوقائع تشير إلى أنّ أحد الدروس العراقيّة المهمّة هو أنّها أظهرت حدود استخدام التفوّق العسكري الأميركي، وإن كانت الإدارة الأميركيّة عازمة على عدم التعلّم من هذا الدرس، فتراها تكرّر الأخطاء نفسها في أفغانستان.
لكنّ الأهمّ هو أنّ التعثّر العسكريّ الأميركيّ في القرن الحادي والعشرين لا يشبه التعثّر الذي أصاب الإمبراطوريّة خلال حرب فييتنام. فبخلاف ستّينيّات القرن الماضي، لم تعد الولايات المتحدة تملك تفوّقاً في مجال الإنتاج الاقتصادي، الذي انتقل إلى مناطق أخرى من العالم تتمتّع بيد عاملة رخيصة. وبخلاف بدايات هذا القرن، سقطت أسطورة الاقتصاد المالي، وها هي الإمبراطوريّة تعاني أسوأ أزمة اقتصاديّة منذ عام 1929.
الولايات المتحدة الأميركية اليوم هي أمّة تلبس ممّا لا تنسج، وتنفق ممّا تقترض، وتقترع لمن يعدها بإعادة جيشها إلى البيت. هذا لا يعني بالطبع نهاية الإمبراطوريّة، لكنّه يعني أنّ الإمبراطوريّة ليست بخير. أمّا العراق، فحكاية أخرى.


عدد الخميس ٢ أيلول ٢٠١٠
أخبار ومقالات - جريدة الأخبار

هل يُفصح الحريري عن قيمة عقود سوكلين؟

هل يُفصح الحريري عن قيمة عقود سوكلين؟


يبحث مجلس الوزراء مجدداً، في جلسته اليوم، تقرير اللجنة الوزارية المكلّفة اقتراح خطّة لإدارة النُّفايات الصُّلبة في جميع المناطق، فهذا البند أُجِّل بتُّه من جلسة سابقة إثر موجة غضب اعترت رئيس الحكومة سعد الحريري سببها سؤال «غير بريء» وجهه إليه وزير السياحة فادي عبّود عن القيمة الفعلية لعقود سوكلين ومثيلاتها، ولا سيما أن هذه القيمة تُصنّف الأعلى على مستوى العالم
اكتفى رئيس الحكومة سعد الحريري في جلسة مجلس الوزراء السابقة بإعلان نجاحه في خفض عقود شركة سوكلين بنسبة 4%، إلا أنه رفض أن يُفصح أمام الوزراء عن قيمة هذه العقود التفصيلية قبل الخفض وبعده، ما أدّى إلى تأجيل بتّ تقرير اللجنة الوزارية، التي يرأسها الحريري نفسه، المكلّفة اقتراح خطّة تتعلّق بإدارة النفايات الصُّلبة في جميع المناطق اللبنانية.
إلا أن غضب الحريري في الجلسة الماضية لن يمنع بعض الوزراء من الإصرار على طلب توضيحات كافية في جلسة اليوم عن كلفة عقود سوكلين ومثيلاتها، ولا سيما في ضوء المعلومات التي تفيد بأن كلفة كل طن من النفايات تتراوح ما بين 120 و155 دولاراً، أي إن خفضها بنسبة 4% فقط أمر يثير الريبة، وينمّ عن تواطؤ ما على حساب المال العام؛ إذ إن مجلس الوزراء نفسه كان قد بحث في جلسة له في تشرين الثاني من عام 2007 خطّة لإدارة النفايات الصلبة تتضمن خيارات عدّة لتنفيذها، وقد بيّنت هذه الخطّة أن كلفة طن النفايات يمكن أن تتراوح ما بين 46.30 دولاراً في حال اعتماد المناقصة العمومية و67.88 دولاراً في حال اعتماد عقود الـ BOT الممولة بقروض مصرفية.
في الواقع، يعتقد أكثر من وزير أن طلب وزير السياحة فادي عبّود من الرئيس الحريري الإفصاح عن قيمة العقود ليس السبب الوحيد لتأجيل هذا البند إلى جلسة اليوم. فالتقرير الذي عرضه الحريري لم يتضمّن أي خطّة أصلاً، بقدر ما يحاول تعميم تجربة سوكلين على قطاع النفايات برمّته، وفي جميع المناطق والبلديات، تحت عنوان «الشراكة مع القطاع الخاص»، مع إضافة بعض الأفكار العامّة في شأن استخدام النفايات في إنتاج الكهرباء عبر القطاع الخاص أيضاً.
فتقرير اللجنة الوزارية، التي ألّفها مجلس الوزراء منذ آذار الماضي، يستغرق في وصف الواقع القائم من دون تحديد المسؤوليات عنه، ويذهب بعيداً في التبرير عبر التركيز على ضعف الإمكانات لدى البلديات والإدارات الحكومية، وهو ما أدّى، بحسب التقرير، إلى تلزيم شركة سوكلين ومثيلاتها عمليات الكنس والجمع والفرز والحرق والتسميد والطمر بعقود التراضي، وذلك من دون أي تقويم لهذه العقود وجدواها وكلفتها.
وقد جاء في التقرير أن الخطة الطارئة، التي بدا تنفيذها في عام 1997، صُممت على أساس 1700 طن من النفايات المنزلية يومياً، مع احتياطي 250 طناً يومياً. لكن عوامل عدة أربكت وعطّلت أجزاءً من هذه الخطّة، أهمّها:




ويشيد التقرير بخدمات جمع النفايات (سوكلين) التي شهدت تطوراً ملموساً خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أنه يقرّ بأن خيار الطمر لا يزال هو المعتمد أساساً، وهذا لا ينطبق فقط على البقايا غير القابلة للتدوير أو التخمير، بل على معظم المواد العضوية التي ترسل إلى المطامر، حتى بعد تخميرها، ما يُعَدّ هدراً.

1ـــــ ارتفعت كمية النفايات إلى 3000 طن يومياً، في الذروة، أي ضعفي ما كان ملحوظاً في الخطة تقريباً. 2ـــــ خفض عمليات التسميد من 1000 طن يومياً إلى 300 طن يومياً، وذلك لعدم تمكّن الإدارة من توفير أراضٍ شاسعة في منطقة بيروت وجبل لبنان لإجراء هذه العملية. 3ـــــ توقيف عمليات الحرق في العمروسية والكرنتينا، ما أدى إلى إرسال هذا الفائض إلى مطمر الناعمة، واستنزاف قدرته الملحوظة في سنتين بدلاً من عشر سنوات. 4ـــــ عدم قدرة الإدارة على توفير المواقع الإضافية للمعالجة ومطامر بديلة لمطمر الناعمة.

ويستعرض التقرير بالأرقام واقع قطاع النفايات الصلبة في لبنان، إذ إن خدمات الإدارة المتكاملة للنفايات الصلبة متوافرة حالياً في 19% من الأراضي اللبنانية فقط، ولنحو 60% من عدد السكان الإجمالي. ففي طرابلس تُرمى النفايات ضمن مكبٍّ مراقب بلا أي عمليات فرز وتسبيخ. أمّا في زحلة، فتُطمَر النفايات مع فرز دون تسبيخ، وفي بيروت وجبل لبنان، باستثناء قضاء جبيل وبعض القرى (1342 كلم مربعاً)، توفّر شركة سوكلين ـــــ سوكومي الخدمة لـ345 بلدية، أي ما يقارب 2.2 مليون مواطن، بمعدل 2500 طن في اليوم الواحد، وتقوم الشركة بأعمال الفرز، وتسبيخ كمية لا تتعدى300 طن يومياً، وتعمد إلى الطمر في مطمر الناعمة، الذي كان من المفترض أن يقفل في شهر آب. أما في المناطق الأخرى، فالمكبات العشوائية هي الطاغية، ما جعل كلفة التدهور البيئي السنوية الناتجة من سوء إدارة النفايات الصلبة تُقدّر بنحو 15 مليون دولار في حد أدنى (تقديرات البنك الدولي في عام 2002).
يبلغ عدد المكبات العشوائية 200 مكبّ، منها 27 مكباً تتسم بالخطورة، هي: صيدا، تعلبايا، حبالين، الصرفند، سعد نايل، حامات/ البترون، الغازية، قب الياس، مزيارة، رأس العين، النبي شيت، عشاش، صريفا، جب جنين، كفرحبو، جبعا، كيال، جديدة/ ببنين، كفرتبنيت، هرمل، كوسبا، تربل الجرد، الفاكهة، صرار، دير الغزال الجرد، مزار صنين، فنيدق، قموعة.
ويخلص التقرير إلى الدعوة لاعتماد التفكّك الحراري وتحويل النفايات إلى طاقة في المدن الكبرى وتكليف وزارة الطاقة والمياه اقتراح نصّ تشريعي يضمن حق القطاع الخاص في إنتاج الطاقة المنتَجة من تفكّك النفايات وبيعها. ويدعو التقرير إلى إشراك القطاع الخاص وتسهيل مهماته بإدارة النفايات الصلبة، على أن تجري عملية إشراكه من خلال الـTum Key (من الجمع إلى المعالجة النهائية) أو من خلال 2Different Operations (1 جمع 2 معالجة). ويطالب بتكليف مجلس الإنماء والإعمار وبالتنسيق مع وزارة البيئة بالتعاقد مع استشاري عالمي لـ:
* اختيار الحل والآلية الأمثل الملائمة للواقع اللبناني (من روحية الخطة).
* وضع دفاتر الشروط الفنية للتصنيف الأوّلي لشركات التفكّك الحراري (Due diligence to short list only proven technologies).
* تقويم الشركات وتصنيفها.
* وضع دفاتر الشروط الفنية للمناقصة النهائية.
* تقويم العروض.
* مراقبة التنفيذ.
وأخيراً، يطالب التقرير بمنح رئاسة الحكومة صلاحيات مراقبة سير عمل التنفيذ وتوفير التمويل للتنفيذ.
(الأخبار)



1.5 مليون طن

هي كمية النفايات الصلبة التي ينتجها لبنان سنوياً، ينتهي 40 في المئة منها في مكبات عشوائية، و50 في المئة في مطامر، ولا يُدوَّر أكثر من 10 في المئة، وهذا يُعَدّ هدراً فاقعاً يوازي الهدر المحقق في عقود سوكلين الباهظة، ويترك آثاراً بيئية وصحيّة خطرة.



خيارات عامة

على الرغم من الصورة السوداوية لواقع النفايات في لبنان، يكتفي تقرير اللجنة الوزارية برئاسة سعد الحريري، باقتراح خطّة لا تتضمن سوى أفكار عامّة وشعارات، منها:
* إن أي عملية للتخلص من النفايات الصلبة المنزلية في المدن المكتظة يجب أن تراعي خصوصية هذه المدن، وأهمها ندرة الأراضي، ما يجعل من المطامر الصحية والتسبيخ غير المستحبة.
* إن التسبيخ والطمر الصحي في حال توافُر الأراضي والأبعاد الملائمة يبقى اختياراً بيئياً ومادياً مثالياً يتجانس مع طبيعة الحال في معظم الأرياف اللبنانية.

  • «
  •  Start 
  •  Prev 
  •  1 
  •  2 
  •  3 
  •  4 
  •  5 
  •  6 
  •  7 
  •  8 
  •  9 
  •  10 
  •  Next 
  •  End 
  • »
Page 1 of 37