


كوريا الشمالية على الخط! بعد مشروع الهواتف الخلوية منذ عامين، قررت «الدولة المعزولة» أن تنفتح على العالم... وخصوصاً على كوريا الجنوبية.الجارتان العدوتان في أزمة متصاعدة، كوريا الشمالية هددت بحرب شاملة، لم تستخدم سلاحها النووي بعد لكنها استعانت حالياً بـ«يوتيوب» و«تويتر». فما الذي يجري على خطوط التماس الكورية الإلكترونية اليوم؟ وهل قرر المعقل الشيوعي أن يعترف بالعالم الخارجي؟ انضم إلى «الأمّة الكورية الموحدة» على الإنترنت و«كن صديقاً» لبيونغ يانغ على موقعها لتعرف الإجابات وتستوضح الأمور
صباح أيوب
دخلت الصحافية الأميركية متخفية إلى كوريا الشمالية مدّعية أنها جزء من طاقم طبّي، وعملها يقتضي تصوير بعض العمليات الجراحية التي سيجريها الفريق. سمحت لها السلطات الكورية الشمالية بإنجاز عملها وفق شروط صارمة. لكن خلال مرورها في أحد شوارع بيونغ يانغ، قررت الصحافية أخذ صورة لتمثال ضخم للقائد الكوري كيم إيل سونغ، عندها سارع «المرافق السياحي»، الموكل مرافقتها من السلطات الكورية، إلى إيقافها وطلب منها محو الصورة و... مغادرة البلاد فوراً!
عادت الصحافية إلى بلادها على الفور مع القليل من الصور والكثير من الرهبة، ما مكّنها من تنفيذ شريط وثائقي متواضع بمشاهد معدودة وبسيطة من العاصمة الكورية الشمالية.
قد تلخّص هذه الحادثة أحد أهمّ المبادئ التي تعتمدها الجمهورية الديموقراطية الشعبية الكورية في تعاملها مع العالم الخارجي منذ تأسيسها: «أنا أتحكم بكل ما يخرج مني وعني إلى العالم. أنا أصنع صورتي عن نفسي».
وهذا ما يفسر خلوّ كوريا الشمالية من الصحافيين الأجانب، وهذا ما يبرر الصور القليلة النادرة العالقة في أذهاننا عن أحد آخر معاقل النظام الشيوعي في العالم.
«كوريا الشمالية هي أكثر الدول عزلة عن العالم الخارجي»، هكذا يُجمع الغرب على وصف الجمهورية الآسيوية من دون التركيز على جانب «العزلة» المفروضة عليها من خلال العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة الأميركية على دولة الـ24 مليون نسمة. فعلياً، لا أحد يعرف بالضبط كيف تسير الأمور هناك ومَن معزول عن مَن، وما الذي يعرفه المواطنون الكوريون عمّا يجري خارج حدود دولتهم، البعض يقول إن مواطني كوريا الشمالية محرومون الهواتف والإنترنت والقنوات الفضائية... لكن الأكيد أن العالم الخارجي هو أيضاً معزول عنهم، فالأخبار الكورية الشمالية لا تصلنا إلا عبر الوكالة الرسمية للدولة أو من إعلام عدوّتها كوريا الجنوبية ومن يدعمها، لذلك تبقى الصورة والخبر الواردان من «الأراضي المحرمة» في إطار الترجيح والدعاية أو الدعاية المضادة.
هكذا أمسك «القائد المؤسس» كيم إيل سونغ منذ عام 1949، ومن بعده ابنه الزعيم الحالي كيم جونغ إيل منذ عام 1994، أحدى أهمّ ركائز نظام الحزب الواحد، وهي الإعلام والتواصل. وهكذا، اعتاد العالم أن يتابع أخبار كوريا الشمالية من خلال صور فوتوغرافية للزعيم الكوري الشمالي وهو يفتتح مصنعاً أو يحيّي الجماهير أو... يدشن مفاعلاً نووياً! لكن شيئاً ما حدث في نهاية عام 2008، عندما أبرمت كوريا الشمالية اتفاقاً مع شركة الاتصالات المصرية ـــــ الدولية «أوراسكوم تيليكوم» لإنشاء شبكة اتصالات خلوية في الجمهورية الشعبية. وبعد أقلّ من عامين، شهد العالم على حدث مشاركة كوريا الشمالية بمباريات «كأس العالم» فشخصت الأنظار إلى الفريق الكوري كأنه آتٍ من كوكب آخر. أما المفاجأة الكبرى فهي احتلال كوريا الشمالية أخبار شبكة الإنترنت وصفحات التواصل منذ أشهر، وخصوصاً بعدما ظهر النظام الشيوعي فجأة على مواقع «يوتيوب» و«تويتر» وأخيراً... على «فايسبوك»!
فما الذي يجري في «البلد الأكثر عزلة في العالم»؟ وهل تلك هي إشارات جدية على بداية انفتاح اقتصادي وتجاري وإعلامي، أم أنها مجرّد وسائل أخرى لبثّ بروباغندا الحزب الحاكم؟ ماذا ستفعل «أوراسكوم» في بلاد الاتصالات المقطوعة؟ وهل سينافس كيم باراك أوباما بعدد الأصدقاء على «فايسبوك»؟ البعض «متفائل» بخطوة الألف ميل تلك، والبعض الآخر يقول إن كيم ضجر ويريد فقط أن يتسلى بالتكنولوجيا الحديثة.
في 15 كانون الأول من عام 2008، أُطلقت شبكة الاتصالات الخلوية «كوريولينك»، وذلك بعد حصول شركة «أوراسكوم تيليكوم» المصرية على رخصة استثمار في قطاع الاتصالات في كوريا الشمالية لمدة 25 سنة. «كوريولينك» هي استثمار مشترك بين «أوراسكوم»، التي تملك 75 في المئة منها وشركة البريد والاتصالات الكورية الرسمية، وحصتها 25 في المئة، وبرأسمال قدره 400 مليون دولار أميركي سيخصص «لتطوير نظام اتصالات وهواتف من الجيل الثالث للكوريين الشماليين». طبعاً، حفل افتتاح الشركة وإطلاق الخدمات وشروط عمل «أوراسكوم» كلها أحيطت بالسرية. فنشر الإعلام العالمي بعض التسريبات من «مصادر مجهولة» وبعض ما جاء في بيان شركة «أوراسكوم».
أما المراقبون، فانقسموا بين مؤيّد للخطوة ومتفائل بانفتاح اقتصادي قريب، وبين من نعى المشروع في مهده، قائلين إن النظام الحاكم لن يسمح للشركة بالعمل كما يجب؛ لأنه «ليس من مصلحة النظام الكوري أن يتكلم المواطنون بعضهم مع بعض ويبقوا على تواصل».
وبعد المشاركة ـــــ المفاجأة لكوريا الشمالية جمهوراً ولاعبين في «كأس العالم» في جنوب أفريقيا، ضجّ العالم منذ شهر تموز الماضي بـ«ظهور» آخر للجمهورية الكورية، وهذه المرّة على الشبكة العنكبوتية!
بعد «يوتيوب» أنشأت كوريا الشمالية صفحة لها على موقع التواصل «تويتر»، تضم حالياً أكثر من 10 آلاف منتسب وتتضمن مواقف صريحة ضد كوريا الجنوبية «التابعة والمؤتمرة من الولايات المتحدة». الصفحة شهدت إقبالاً كثيفاً من المواطنين الجنوبيين، ما دفع كوريا الجنوبية إلى حجب الصفحة «حفاظاً على الأمن القومي». فما كان من بيونغ يانغ إلا أن اتهمت سيول «بمنع المواطنين من حرية الوصول إلى مواقع التواصل» مستهجنة الأمر. وفي مساء 19 آب، دعت بيونغ يانغ باسم شعبها وأمتها الموحدة العالم لـ«يكونوا أصدقاءها» حسب لغة «فايسبوك» وينضموا إلى صفحتها. الحساب الخاص بكوريا الشمالية الذي أنشئ على الموقع الأكثر انفتاحاً في/على العالم يعرض صوراً للمعالم الطبيعية في البلاد وللقائدين وشرائط مصوّرة مشتركة مع صفحتي «يوتيوب» و«تويتر». لكن صفحة «فايسبوك» أغلقت بعد 4 أيام على ظهورها من دون أي تفسير. Uriminzokkiri أو «وحدنا كأمّة» هو صفحة «يوتيوب» التي تجمع وسائل الإعلام على أنها الصفحة الرسمية لكوريا الشمالية، حيث أكثر من 300 شريط مصوّر و1800 مشترك وأكثر من 360 صديقاً. الأشرطة المحمّلة على صفحة «يوتيوب» هي باللغة الكورية وتعرض معظمها إنجازات الدولة وتصريحات «القائد الأبدي». كذلك تتناول بعض الأفلام حادثة تعرض سفينة حربية كورية جنوبية في آذار الماضي لهجوم بحري، ما أدى إلى غرقها ومقتل من عليها، مع العلم بأن كوريا الجنوبية والولايات المتحدة تتهمان كوريا الشمالية بالهجوم.
ماذا يجول في خاطر كيم جونغ إيل؟ ولماذا أرادت كوريا الشمالية الظهور فجأة على مواقع التواصل الإلكترونية؟ كيف ذلك ومعظم شعبها ممنوع من استخدام الإنترنت؟ أسئلة كثيرة طرحها المراقبون أخيراً تزامناً مع تحرّكات بيونغ يانغ البارزة على الساحة العالمية.
لكن بعض المحللين والصحافيين لم يحمّلوا الظاهرة تلك معاني خطيرة وجدية وأرجعوها فقط إلى «ولع كيم بالمنتجات الإلكترونية»، وهو الأمر المعروف عنه.
كذلك يذكّرون بحادثة طلب الزعيم الكوري الشمالي من وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت الحصول على «إيميلها» الخاص ليكتب رسائل لها!
ويوضح أصحاب هذه النظرية أن النظام الكوري الشمالي يعتمد منذ عشرين عاماً على التقنيات الإلكترونية، وبعض المعلومات تشير إلى تجنيد بيونغ يانغ نحو 600 قرصان لاختراق مواقع العدو.

انتقد الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، لأن «قراراته ظالمة، فهو يفرض عقوبات على إيران التي لا تملك أي قنبلة نووية، فيما يسمح لإسرائيل بأن تملك ترسانة نووية تقدر بين 60 و200 قنبلة ذرية».
وكان موراليس يتحدث في مؤتمر صحافي مشترك مع وزير الصناعة والمناجم الإيراني، أخبر مهرافيان، الذي حمل إلى بوليفيا قرضاً بـ 200 مليون يورو.
وأوضح مهرافيان أن الرئيس الإيراني، محمود أحمدي نجاد، وجّهه لكي يصرف هذا القرض وفقاً لأولويات بوليفيا ومشاريعها. وأضاف إن التعاون بين البلدين لا يقتصر على القرض، بل يشمل نقل التكنولوجيا لبوليفيا وتعاون خبراء إيرانيين في التنقيب ومساعدة هذا البلد، في رسم خريطة مواردها الجيولوجية.
أما موراليس، فقد أوضح أن وزيرة التخطيط البوليفية، فيفيانا كارو، ستتوجه في نهاية أيلول إلى طهران، لشكرها على منح القرض، ولتوقيع الاتفاقات العملانية.
وأوضحت كارو، من جهتها، «أن هنالك نحو 300 خريطة سنقوم بها لتحديد مواردنا بدقة، هي أول مهمة مشتركة مع إيران»، مضيفة إن «المشاريع الأخرى تشمل معامل الحليب والنسيج والاسمنت، وتكنولوجيا المواصلات».
وختمت كارو «إننا نعطي الأولوية للتنقيب ليس بحثاً عن معدن محدد، بل لأن جميع هذه الموارد حاسمة لحظوظ بوليفيا في التنمية». ومن المعروف أن بوليفيا أرض غنية تقليدياً بالذهب والفضة والنحاس، وأن لها أيضاً موارد كبيرة باليورانيوم والبلوتونيوم.

صباح أيوب
عند مدخل الساحة الحمراء في موسكو تقف مجموعة من كبار السنّ جنباً الى جنب، يرفعون عالياً ـــــ بقدر ما تسعفهم أيديهم النحيلة ـــــ أعلاماً سوفياتية وينشدون بأصوات متقطعة أغاني ثورية عن «الراية الحمراء» و«الثورة المتوهجة». رجلان وثلاث نساء في العقد السابع والثامن من العمر يأتون، كلما سمحت لهم ظروفهم الصحيّة، ليؤدّوا التحية لـ «اتحادهم السوفياتي» أمام السيّاح.
فندق «لينين» يتوسط موسكو ويؤمّه الزوّار بالمئات، سلسلة مطاعم «CCCP» و«لينين بار» تبقى مكتظة، قنوات تلفزيونية تعرض مسلسلات سوفياتية فقط، شباب يجددون أغاني ثورية ويصممون أزياءً تحمل شعار «المنجل والمطرقة». ماذا يجري في جمهورية روسيا الفدرالية؟ هل عاد السوفيات؟ هو «مجرّد حنين» إلى الزمن الماضي، يجيب علماء الاجتماع.
في المطبخ الضيّق تقف أولغا (64 عاماً) وفي يدها الـ «غرانيوني ستاكان» (وهو كوب من صنع الاتحاد السوفياتي اشتهر بصلابته)، ترميه أرضاً فلا ينكسر، تهزّ رأسها وتقول: «قد نتلقى ضربات كبيرة لكننا لا ننكسر... هذه الأكواب موجودة في منازلنا منذ عشرات السنين ولا نزال نستخدمها».
يفتح فلاديمير (60 عاماً) ألبوم الصور ويتنّهد: «كنا أمّة موحّدة قوية، كنت أزور أصدقائي في الدول السوفياتية باستمرار دون أي رادع، أما اليوم فلا أستطيع ذلك».
فيكتور (52 عاماً)، يجلس يومياً في مقصورة المترو متوجهاً الى إحدى مدارس سان بطرسبرغ حيث يدرّس، ويقول في نفسه: «السعادة لا تكمن في أن يكون لدينا مئة نوع من اللحوم المجلّدة في السوبرماركت. كنّا أكثر سعادة وهدوءاً من قبل. أنا لا أريد أن يعود النظام السوفياتي بكل أوجهه، لكني لغاية اليوم ما زلت أجهل ماذا تعني الديموقراطية تلك!».
في أحد الأحياء السكنية الفقيرة في موسكو، يقطن أوليغ (44 عاماً) وتاتيانا (42 عاماً) مع ولديهما، تعرّف الزوجان إلى بعضهما بعضاً خلال التظاهرات الشعبية التي واكبت الأيام الأخيرة لعهد ميخائيل غورباتشوف، وكانا من بين المتحمسين لسقوط النظام الشيوعي و«إحلال الديموقراطية»، لكنهما لا يخفيان اليوم شعوراً بالندم، «إذ إن التعليم والخدمات الصحية والمسكن كانت متوافرة للجميع، على عكس اليوم».
أليكسي (43 عاماً)، هو صديق الزوجين منذ أيام سقوط النظام، لكنه رجل أعمال ناجح يسكن في أحد أرقى أحياء العاصمة الروسية ويمتلك سيارة حديثة، هو مقتنع بصوابية ما جرى من حيث تحرير الاقتصاد وانفتاح أسواق البلاد وتحسين علاقاتها مع الغرب.
على مدوّنتها الإلكترونية تتبادل آنا (33 عاماً) مع أصدقائها «ذكريات الزمن الماضي»، حيث تعرض صوراً لمقتنيات من أيام النظام السوفياتي: زجاجة العطر النسائية الأشهر «موسكو الحمراء»، الموديل شبه الموحّد للأحذية، «ساراتوف» البرّاد المنزلي السوفياتي في كل بيت، وبعض الصحف القديمة والـ «ساميزدات». معظم أصدقاء آنا يبدون حنيناً تجاه تلك الصور، لكن الكل يتناول «الزمن الماضي» بسخرية ونقد سلبي دون إبداء أي حزن على انتهائه. آنا تعمل في مصرف وراتبها يفوق راتبي والديها معاً.
شقيق آنا، ديميتري (31 عاماً)، انضم الى الحزب الشيوعي الروسي منذ سنة وهو يناقش مع أصدقائه على الانترنت مساوئ النظام الحالي. ديميتري ينشر على موقعه الإلكتروني وصلات لأغان سوفياتية جددها مغنون روس شباب، إضافةً الى عناوين لمواقع الكترونية مخصصة لأرشيف الاتحاد السوفياتي.
لديميتري أصدقاء يتصادم معهم كثيراً، مثل نيكولاي (32 عاماً) الذي يرى أن الاتحاد السوفياتي كان سينهار في كل الأحوال نظراً إلى استحالة تطبيقه وإلى سوء إدارة المسؤولين عنه. نيكولاي يبغض عهدي غورباتشوف وبوريس يلتسن، لكنه يرى في فلاديمير بوتين الكثير من الحكمة والقوة وحسن إدارة البلاد.
أما ماريا (22 عاماً) فهي تضع صورة لبوتين على هاتفها المحمول وقد طبعت على بعض قمصانها وجه «القائد»، وهي ستنضم رسمياً الى حركة «ناشي» البوتينية القومية بعد أسابيع.
قد تعبّر هذه العينة الى حدّ كبير عن واقع جانب من المجتمع الروسي بعد نحو 20 سنة على انهيار الإمبراطورية السوفياتية. مجتمع يعاني أزمة ديموغرافية حادّة ويجسد بمختلف فئاته، تاريخاً من التحولات السريعة، بعضها خلق هوّة كبيرة بين جيلين وبعضها الآخر سبّب فجوة بين أفراد الجيل الواحد. وفيما تأقلم البعض مع الموجة الجديدة وركب قطار الاقتصاد الحرّ، لم ينجح البعض الآخر في ذلك فذهب ضحية التغيّر السريع وتشتت الهوية. ولعلّ سكان القرى والبلدات الصغيرة هم أكثر من يعيش اليوم تداعيات توسّع الفروق الاجتماعية بين الطبقات، وتراجع مستوى المعيشة وغياب خدمات الدولة. ربما هذا ما يفسّر نتائج استطلاع الرأي الذي نفّذه مركز «ليفادا» في موسكو (لعام 2009)، الذي بيّن أن الفئات التي تشتاق إلى النظام السوفياتي تتألف من 85 في المئة من سكّان الأرياف، و79 في المئة ممن لا يستطيعون تأمين لقمة العيش، و67 في المئة ممن تراوح أعمارهم بين 40 و55 عاماً.
أما طفرة المظاهر السوفياتية في المدن الروسية اليوم، فمعظمها سياحي، والجزء الآخر يدخل في خطّة بوتينية موجّهة إلى الداخل الروسي.
وداعاً «ماكدونالدز»
في أوائل تسعينيات القرن الماضي، جمع الروس كل ما يمتّ إلى النظام السوفياتي السابق بصلة، ووضعوه في عليّات منازلهم أو باعوه واستبدلوه بما هو جديد وملوّن، كما حاولوا حجز ذكرياتهم في الغرف الخلفية لذاكرتهم. لكن بعد الإحباط الذي أُصيبوا به في أواخر القرن الماضي، ها هم ينبشون أغراض الزمن القديم ويسترجعون الذكريات... الجميلة منها فقط.
«كنا كأطفال العيد، تهافتنا على فتح الهدايا وفرحنا بألوانها وبريقها... دام ذلك أياماً قليلة قبل أن تتحول لُعبنا الجديدة الى مقتنيات باهتة ومملّة»، هكذا تصف صحيفة «إزفيستيا» تغيّر المشهد في المدن الروسية حيث كان صفّ الانتظار طويلاً جداً أمام مطاعم «ماكدونالدز»، التي لم تعد تجذب الكثيرين اليوم.
المؤرخ الروسي فيكتور دانيلوف يختصر لصحيفة «لو موند ديبلوماتيك» (عدد آذار 2004) حال الشعب الروسي في التسعينيات قائلاً: «عشنا وراء الستار الحديدي لسنوات، وظننا وقتها أننا في قمة البؤس، لكن بعد انهيار الستار أدركنا معنى البؤس الحقيقي». دانيلوف يلفت الى أنه «في الوقت الذي فتحنا فيه أبواباً الى الخارج، علت أبواب مصفّحة بين الناس في الداخل، حيث بلغ التقوقع والانقسام في المجتمع الروسي درجات عالية وخطيرة».
أما بالنسبة إلى الحرية أو الديموقراطية التي سوّق الغرب لها كثيراً قبيل انهيار النظام فلعلّ الاستطلاع التالي يظهر مكانتها في المجتمع الروسي الحالي:
«ما هي، بالنسبة إليك، أهمّ الحقوق والحريات التي يضمنها الدستور الروسي»، سألت «مؤسسة الرأي العام» عيّنة من المواطنين الروس عام 2005 وجاءت الإجابات كما يأتي: 40 في المئة سمّوا حقّ الطبابة والحصول على الدواء، 34 في المئة حقّ تأمين المسكن، 20 في المئة حق مكافحة البطالة، بينما 6 في المئة فقط اختاروا حرية التعبير عن الرأي.
هكذا يقرّ معظم المحللين الروس بفشل وسائل الإعلام ومجموعات الضغط الأميركية والأوروبية بتشويه صورة الاتحاد السوفياتي كاملة عند الشعب الروسي. بعض المواطنين يصفون اليوم الفترة التي هلّلوا خلالها لسقوط النظام بأنها كانت «سكرة»!
لينين «ملك السياحة»
في نزل «لينين» وسط موسكو، ساعة حائط عليها صورة للقائدين الشيوعيّين فلاديمير لينين وجوزف ستالين يحددان معاً التوقيت اليومي، صور لينين وتماثيله تزيّن الغرف وباحة الاستقبال، وأقواله تنتشر في المطبخ. في الساحات العامّة والأسواق، تكثر بسطات عليها نياشين سوفياتية وعملات قديمة وقمصان وقبّعات عسكرية سوفياتية وصحف وملصقات بروباغندية، وتماثيل لينين تصطف الى جانب الأيقونات الأرثوذكسية... سلسلة مطاعم «بيتروفيتش» تقدم أطباقاً سوفياتية شهيرة والنبيذ السوفياتي... حتى المطاعم المكلفة بعضها اتخذ اسم CCCP والبارات تشهر صوراً للينين وهو يشرب الفودكا أوالبيرة. «لينين يجذب السياح»، يكاد يجمع معظم أصحاب تلك المصالح وهم من الشباب. أما الموضة الجديدة في الأزياء الشبابية، فقد أدخلت شعار «المنجل والمطرقة» على القمصان والمعاطف والقبعات... شاشات التلفزيون الروسي تعرض مسلسلات وأفلاماً من أيام السوفيات، وقنوات الـ «إف إم» الإذاعية تصدح بأغانٍ سوفياتية مجددة. تماثيل لينين الفولاذية الضخمة يُعاد صقلها ووجهه محفور على لوحات الشوارع والحدائق العامة.
لكن كل ذلك لا يعني أنّ السوفيات عادوا أو أنّ الروس يتمنّون عودة النظام الستاليني، وخصوصاً لدى الجيل الروسي الشاب، حيث إن 79 في المئة منهم (15ـــــ 22 عاماً) لا يبدون أسفاً لسقوط النظام الشيوعي ولا يسعون إلى استعادته. بعض علماء الاجتماع يرجعون ظاهرة التعلّق بالحنين السوفياتي (الذي بلغ أوجّه في أواخر التسعينيات) إلى افتقاد الشعب قائداً يؤكّد قوّة الدولة خارجياً، ونظاماً أمنياً صارماً يضمن الأمن الداخلي.
هذا الفراغ حاول ملأه الرئيس السابق فلاديمير بوتين الذي أدرك أنه بقليل من النوستالجيا يمكن أن يكسب قلوب الكثيرين، فأعاد إحياء النشيد السوفياتي، وأرجع بعض تماثيل لينين، وأحيا الاحتفالات بذكرى الثورة والانتصار على النازية... دون أن ننسى رمزية الحرب القصيرة التي خاضتها روسيا ضد جورجيا، والتي أعادت إلى الروس عنفوانهم وخلّصتهم من عقدة النقص تجاه دول الاتحاد السوفياتي السابق، كما يرى بعض المحللين.
«على جبهات المعارك لدينا من يحمينا: الكاتيوشا وبوتين...»، هكذا يردد بعض الشباب المحتشدين في تظاهرة ضد السياسة الجورجية. الشباب المتظاهرون ينتمون الى حزب يدعى «ناشي» (أي «لنا») ويطلق عليهم اسم «شباب بوتين». هؤلاء الشباب ـــــ الظاهرة (نحو 300 ألف) يعلنون الولاء المطلق لبوتين والتضحية فداء الوطن الأم روسيا، والعداء التام لـ«أعداء روسيا» من أحزاب المعارضة والقادة المعادين لسياسات بوتين والفاشيين. البعض يشبّه «ناشي» بـ«الشبيبة الشيوعية» في زمن الاتحاد السوفياتي.
ظاهرة أخرى لافتة بين الشباب الروسي، وهي تصاعد حدّة القومية المتطرفة والعنصرية تجاه كل ما ومن هو غير روسي. 80 قتيلاً سقطوا في جرائم ذات طابع عنصري في روسيا عام 2008 والمجتمع الروسي يعدّ اليوم 70 ألفاً من «حليقي الرؤوس» المنتمين إلى مجموعات متطرفة أخرى.