اتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني

Saturday
Sep 04th
Text size
  • Increase font size
  • Default font size
  • Decrease font size

المحكمة الدولية

المحكمة الدولية :من يتلاعب بالحقيقة؟


بعد ان خرجت العديد من الوثائق حول المحكمة الدولية الى الاعلام، وتبين ان الكثير من التحقيقات التي أجريت من قبل السلطات الامنية اللبنانية وكذلك الدولية يعتريها الكثير من الثغرات... ارتأينا ان نخصص هذه الزاوية لنشر المقالات والوثائق التي تصدر في الوسائل الاعلامية كي نتيح للقارئ فرصة الاطلاع على ما يجري في هذا الملف الخطير.

أخبار ومقالات - المحكمة الدولية

الجد في السان جورج والعلم فـي مسرح جريمة اغتيال غانم

الجد في السان جورج والعلم فـي مسرح جريمة اغتيال غانمأي جهاز أمني قال عنه الأمين العام لحزب الله إن أمن المقاومة سلّمه معلومات عن الاشتباه في تعامل غسان الجد مع الاستخبارات الإسرائيلية؟ ولماذا لم يوقفه الجهاز الأمني المذكور؟ ومن هو العميل الذي كان موجوداً في مسرح جريمة اغتيال النائب أنطوان غانم قبل ساعتين من حصولها؟

حسن عليق
ليس غسان الجد شخصية مجهولة في عالم مكافحة التجسس. فجهاز أمن المقاومة رصد تحركاته في أكثر من منطقة، منذ نهاية 2005. وفي 2006، سلم حزب الله معطيات عنه إلى فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، ليتحقق الفرع من هذه الشبهات، تمهيداً لتوقيفه. بعد ذلك، تعززت المعطيات الموجودة في حوزة جهاز أمن المقاومة عن الرجل، وقتَ توصلت مديرية استخبارات الجيش إلى معطيات مرتبطة ببيانات الاتصالات الهاتفية، تشير إلى تورّط الجد بالتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية. كان ذلك في أيار 2009. وعندما رصدت استخبارات الجيش، أرضياً، منزل العميد المتقاعد من الجيش، تبين أنه ليس موجوداً في منزله. بعض التحريات الإضافية أظهرت أن الرجل غادر إلى فرنسا. ومنذ ذلك الحين، لم يعد.
في مؤتمره الصحافي أول من أمس، لم يشأ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، رداً على سؤال طرحته عليه «الأخبار»، الكشف عن الجهاز الأمني اللبناني الذي تسلّم من حزب الله معلومات عن وجود شبهات حول العميل الفار غسان الجد. قال نصر الله مبتسماً إنه لا يريد «فتح مشكل في البلد». لكن قليلاً من التدقيق في هذه المسألة يظهر أن الجهاز الأمني الرسمي الذي قصده نصر الله ليس سوى فرع المعلومات (علماً بأن جريدة «اللواء» المحسوبة على فريق الرئيس سعد الحريري السياسي، نشرت أمس أنّه مديرية الاستخبارات في الجيش).
ففي النصف الأول من 2006، لم تكن العلاقة بين حزب الله وقيادة الفرع (ومن خلفها الرئيس سعد الحريري) قد وصلت إلى هذا الدرك من التشكيك المتبادل. وفي أحد اللقاءات التي جمعت رئيس الفرع العقيد وسام الحسن ورئيس لجنة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا، تحدّث الطرفان عن مسألة مكافحة شبكات التجسس العاملة لحساب الاستخبارات الإسرائيلية. قال الحسن إن فرع المعلومات غير قادر على التوصل إلى معطيات تمكنه من توقيف أشخاص عاملين لحساب الاستخبارات الإسرائيلية، طالباً مساعدة حزب الله. ردّ صفا بأنه سيأتي بالخبر اليقين خلال أيام معدودة. وبالفعل، جرت اتصالات بين الرجلين خلال الأيام اللاحقة، قبل أن يسلّم صفا الحسن معطيات تشير إلى الاشتباه بتعامل خمسة أشخاص لبنانيين مع الاستخبارات الإسرائيلية. وبين هؤلاء كان اسم غسان الجد، العميد المتقاعد من الجيش اللبناني، والرقيب الأول في قوى الأمن الداخلي هيثم السحمراني.
يقول معنيون بعمل فرع المعلومات إن محققين منه دققوا في بيانات الاتصالات الهاتفية للأشخاص الواردة أسماؤهم في التقرير الوارد من حزب الله، «ولم يلفت نظرهم ما يثير الريبة».
وخلال الأشهر اللاحقة، أتت حرب تموز وما تلاها من انقسام سياسي في البلاد. أهمل فرع المعلومات المعطيات التي كانت بين يديه، ولم يقم بأي تحرك للتثبّت منها، ما عدا الارتكاز على تحليل «بدائي» لبيانات الاتصالات الهاتفية. فالفرع، على حد قول مسؤولين فيه، لم يكن قد حصل بعد على برامج معلوماتية تمكنه من تحليل الاتصالات الهاتفية على نحو متطور. لكن ما لا يمكن تبريره حتى اليوم، هو أن فرع المعلومات، المعنيّ بالأمن العسكري في قوى الأمن الداخلي، لم يضع السحمراني تحت المراقبة، رغم وجود معلومات لديه عن أن شقيقة السحمراني هربت قبل سنوات إلى فلسطين المحتلة مع أحد عملاء ميليشيا لحد. ففرع المعلومات يعتمد حصراً في مكافحة التجسس على تحليل البيانات الهاتفية. كذلك فإنه ظن، بحسب أحد المعنيين بعمله، أن حزب الله «يحاول اختباره في ملفات لا قيمة لها، إذ إن الشبهة التي تدور حول هؤلاء الأشخاص ضعيفة جداً». هذا ما كان يردده أحد أبرز المعنيين بعمل فرع المعلومات، حتى أيار 2009. ففي ذلك الحين، طلبت مديرية استخبارات الجيش من قوى الأمن الداخلي (وفقاً لما هو متبع بين المؤسستين) توقيف الرقيب الأول في قوى الأمن الداخلي هيثم السحمراني، بسبب وجود شبهات بتعامله مع الاستخبارات الإسرائيلية. نفذ فرع المعلومات طلب استخبارات الجيش، وأوقف السحمراني. وبحسب معنيّ بالتحقيقات التي أجريت حينذاك، فإن السحمراني أقر مباشرة بتعامله مع الاستخبارات الإسرائيلية، «وأدلى باعترافات لدى محققي فرع المعلومات مطابقة لما هو وارد في الملف الذي قدمه حزب الله إلى الفرع». في اليوم التالي لتوقيفه، أحال فرع المعلومات السحمراني على مديرية استخبارات الجيش، حيث حُقِّق معه لساعات، أقرّ خلالها بتفاصيل صلته بالاستخبارات الإسرائيلية.
المفاجآت في هذا الملف لم تقتصر على السحمراني. ففي الشهر التالي، توصلت مديرية استخبارات الجيش إلى معطيات تقنية يمكن من خلالها ربط العميد المتقاعد من الجيش، غسان الجد، بالاستخبارات الإسرائيلية. حاولت توقيفه، إلا أنه كان قد فرّ إلى خارج لبنان. وبحسب مصدر مطّلع، فإنّ عملية الفرار جرت بعد حصول المشتبه فيه على إشارات معيّنة لم يُعرف ما إذا كانت تسريباً مقصوداً أو معلومات وفّرتها له إسرائيل. ذلك أنه عندما تقرر توقيف الجد، أبلغ قائد الجيش العماد جان قهوجي وزير الدفاع إلياس المر بالأمر، فطلب الأخير التمهّل لبعض الوقت، لكنّ الجد سافر في اليوم التالي إلى خارج لبنان.
ومنذ ذلك الحين، أظهرت البيانات الهاتفية التي حللها محققو فرع المعلومات واستخبارات الجيش، والمعلومات التي جمعتها استخبارات الجيش، أن غسان الجد ينتمي إلى «طبقة العملاء التنفيذيين». فبحسب مسؤولين أمنيين معنيين بملفات مكافحة التجسس، ينقسم العملاء إلى فئات عدة، أبرزها فئتا العملاء الاستعلاميين والعملاء التنفيذيين. عملاء الفئة الأولى مكلفون جمع معلومات إما بوسائط بشرية، أو من خلال أجهزة ومعدات يزودهم إياها الإسرائيليون. ويستفيد الإسرائيليون من بعض هؤلاء العملاء الذين ينفذون مهمات «لوجستية» متصلة، على نحو غير مباشر، بعمليات أمنية أو اغتيالات ينفذها الإسرائيليون. وخير مثال على ذلك، يضيف الأمنيون، الدور الذي اعترف الموقوف أديب العلم بتنفيذه في عملية اغتيال الأخوين المجذوب في صيدا، في أيار 2006.
ففي ذلك الحين، لم يكن العلم يعرف شيئاً عن عملية الاغتيال، بل إن ما طلبه منه مشغّلوه الإسرائيليون انحصر في مراقبة الخط الساحلي في مدينة جبيل، وتحديد ما إذا كان ثمة تحركات مريبة أو دوريات أمنية وعسكرية. وربط الأمنيون المعنيون بين هذه المهمة التي نفذها العلم، وما كان قد اعترف به العميل محمود رافع الذي شارك في اغتيال الأخوين مجذوب. فقد قال رافع إنه نقل ضابطاً إسرائيلياً من الحدود الجنوبية في اليوم السابق لتنفيذ الجريمة، ثم أقلّه إلى شاطئ مدينة جبيل بعد التنفيذ، حيث حضرت قوة كوماندوس إسرائيلية لتأخذ الضابط.
أما الفئة الثانية من العملاء، فتضم التنفيذيين، الذين تتضمن مهماتهم جمع معلومات. إلا أن عملهم الرئيسي هو تنفيذ الأعمال الأمنية، كالاغتيالات والتفجيرات وأعمال المراقبة السابقة لها، وإعداد الشؤون اللوجستية المرتبطة بها، فضلاً عن نقل ضباط إسرائيليين إلى داخل الأراضي اللبنانية وإيوائهم ونقلهم إلى المناطق التي سيخرجون عبرها من لبنان، سواء من البحر أو البر. كذلك يتولى هؤلاء عمليات زرع البريد الميّت. ومن أبرز الأمثلة على هؤلاء، العميلان محمود رافع (أوقف عام 2006) وجودت حكيم (عام 2009).

وينتمي غسان الجد إلى فئة العملاء التنفيذيين. فبحسب المعلومات التي توافرت عنه للأجهزة الأمنية اللبنانية، كان الرجل يتنقل في مناطق زرع البريد الميت، الوعر منها والسهل. وكان يضع في هذه الأماكن متفجرات وأموالاً، وأجهزة اتصال ورسائل، ليأتي من بعده عملاء آخرون لتسلم هذه الأغراض. وكان يشتري بطاقات هاتف خلوي، ويرسلها إلى مشغّليه الإسرائيليين. وقد شارك الرجل، أكثر من مرة، في نقل ضباط إسرائيليين من شاطئ البحر إلى داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما كشف عنه الأمين العام لحزب الله في مؤتمره الصحافي أول من أمس. أما أبرز ما قاله نصر الله عنه، فهو أن الجد كان موجوداً في منطقة السان جورج، في اليوم السابق لاغتيال الرئيس رفيق الحريري.

العلم واغتيال غانم

«مصادفات» وجود العملاء في مسارح عدد من الجرائم لا تقتصر على وجود الجد في منطقة السان جورج. فبحسب معلومات موثقة، تبين لفرع المعلومات بعد توقيف أديب العلم عام 2009، من خلال بيانات اتصالاته الهاتفية، أنه كان موجوداً في منطقة سن الفيل، على مقربة من مكان اغتيال النائب أنطوان غانم، قبل نحو ساعتين على وقوع الجريمة. وعندما سُئِل العلم عن هذه «المصادفة»، أجاب بأنه كان قد أوصل زوجته إلى صالون تزيين قريب. زوجته الموقوفة بالتهمة ذاتها، أكدت ما أدلى به زوجها، فتوقف التحقيق بهذه المسألة عند هذا الحد.
«مصادفة» غريبة لعميل كان الإسرائيليون قد كلفوه تنفيذ استطلاع شاطئ منطقة جبيل، تمهيداً لإجلاء أحد ضباطهم منها، قبل سنتين من اغتيال غانم.



المحكمة: بلمار مستعد للتدقيق في أدلة جدّية

في مؤتمره الصحافي أول من أمس، أكد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، أن المعلومات التي كشفها ليست أدلة قطعية، بقدر ما هي معطيات يمكن الاستناد إليها لفتح تحقيق في فرضية أن تكون إسرائيل تقف خلف عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. من الناحية القانونية، يقول أحد القضاة اللبنانيين إن نصر الله أصاب في وصفه. «فما ذكره لا يرقى إلى مستوى الدليل. إلا أنه ممّا لا يمكن تجاهله، إذ إن التحقيق مع المشتبه فيه بالتعامل مع الاستخبارات الإسرائيلية، غسان الجد، واجب في هذه الحالة، ولو بصفة شاهد على أقل تقدير». كذلك فإن التحقيق في المعطيات التي قدّمها نصر الله عن حركة الطيران الإسرائيلي بحاجة إلى التوسع بها، تمهيداً لحسم علاقتها بالجريمة أو عدمها. وبحسب القاضي اللبناني، فإن كلام نصر الله يمكن تحويله إلى إخبار، لو كانت القضية مرفوعة أمام القضاء اللبناني، إذ إن تنظيمه في تقرير مفصّل من محامين، أو من الضابطة العدلية، كان سيمكّن قاضي التحقيق العدلي في الجريمة من ضم هذه المعطيات إلى ملف التحقيق والاستناد إليها للتوسع في عمله.
بدوره، يقول المحامي والأستاذ الجامعي وسيم منصوري، إن ما تقدم به نصر الله «يؤكد بتسلسل منطقي وجود قرائن قوية تشير إلى إمكان إدانة إسرائيل بارتكاب الجريمة». وبحسب منصوري، فإن مراجعة التقارير التي قدمتها لجنة التحقيق الدولية السابقة إلى مجلس الأمن الدولي، «تظهر أن ثمة تعقيداً كبيراً في عملية اغتيال الحريري، وأن من ارتكب الجريمة قام بها مستخدماً وسائل تقنية متطورة». ويخلص منصوري إلى القول إن لدى إسرائيل الدافع لتنفيذ الجريمة، والمصلحة والتقنيات التي استخدمتها لمراقبة شخصيات تعرضت للاغتيال، كذلك فإنها نفذت سابقاً عمليات اغتيال بحسب ما هو ثابت في اعترافات عدد من العملاء وفي أحكام قضائية أصدرتها المحاكم اللبنانية. «وإذا عطفنا هذه المسائل بعضها على بعض، نستطيع القول إن لدينا معطيات يمكن الاستناد إليها لفتح مسار تحقيقي في فرضية تورط إسرائيل بالجريمة». لكن ذلك لا يعني، يضيف منصوري، «أن لدينا دليلاً لإدانتها حالياً».
وبحسب منصوري، فإن أي هيئة في المحكمة الدولية لا يمكنها أن تطلب من المدعي العام الدولي فتح تحقيق في قضية مرتبطة بالجريمة، ولا حتى مكتب الدفاع الذي تنحصر مهمته في تقديم المساعدة لمحامي الدفاع عن المتهمين.
وفيما التزم مكتب المدعي العام في المحكمة الدولية، دانيال بلمار، الصمت، أشارت المتحدثة باسم المحكمة الدولية فاطمة العيساوي إلى أن المدعي العام دعا في أكثر من مناسبة «كل من لديه أدلة متعلقة بقضية اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري إلى تقديمها»، لافتة إلى أنه «مستعد للنظر في أي أدلة تستند إلى عناصر جدية».
وفي حديث تلفزيوني، لفتت العيساوي إلى أن «نهج بلمار الثابت هو عدم التعليق على مضمون التحقيقات»، مؤكدة أنه «لم يعد للقضاء اللبناني صلاحية التحقيق بالقضية، وأنه يجب تقديم أي دليل لبلمار». وفي ما يتعلق باستبعاد اتهام إسرائيل، قالت إن «بلمار لم يكشف شيئاً يتعلق بالتحقيق وبالجهات التي حُقِّق معها».

 
أخبار ومقالات - المحكمة الدولية

وثائق نصر الله: صور جوية وعملاء

وثائق نصر الله: صور جوية وعملاء

 

 

القدرة، الدافع، أسلوب العمل، اعترافات العملاء، سرّ عملية أنصارية، صور جوية التقطتها طائرات الـ«أم ك» الإسرائيلية، حركة الطيران الإسرائيلي يوم 14 شباط 2005، العميل غسان الجد... هذه كانت أبرز القرائن التي قدّمها السيّد حسن نصر الله في مؤتمره الصحافي أمس كإشارات إلى تورّط إسرائيل في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري، داعياً من يريد الوصول إلى الحقيقة أن يفتح الباب للتحقيق مع إسرائيل
على مدى ساعتين ونصف ساعة استفاض الأمين العام لـ«حزب الله» حسن نصر الله، أمس، في تقديم القرائن التي تتيح توجيه الاتهام إلى إسرائيل في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. المؤتمر الصحافي كان من جزءين. الأول أضاء على الاتهام الإسرائيلي لحزب الله الذي بدأ منذ عام 1993 مع تلفيقات العميل أحمد نصر الله وصولاً إلى عام 2005، فيما تضمن الثاني القرائن التي تسمح باتهام حزب الله لإسرائيل. ولم يخل المؤتمر من إجابة على تعليقات البعض عن التوقيت «لماذا الآن وليس قبل سنوات» بالقول إن التوقيت مرتبط بالمعطيات التي وفّرها اعتقال العملاء الإسرائيليين في العامين الأخيرين.

بدايات التلفيق

بدأ نصر الله كلامه من اتهام إسرائيل لحزب الله، فعاد إلى التظاهرة التي نظمها حزب الله في أيلول 1993 احتجاجاً على توقيع اتفاق أوسلو «وعارضتها الحكومة اللبنانية برئاسة الحريري، وأطلقت النار وسقط شهداء وحصلت خصومة سياسية بين حزب الله والحريري. دخل الإسرائيليون على هذا الخط من خلال أحد عملائهم الذي عمل على إقناع الحريري بأن حزب الله يخطط لاغتياله ودخل مرحلة التنفيذ، ووجه الاتهام إلى الحاج عماد مغنية». وكشف أنه «بعد أشهر من حادثة 13 أيلول، اعتقلت الاستخبارات السورية أحد كوادر المقاومة الإسلامية في صيدا الحاج علي ديب، المعروف بأبي حسن سلامة. اعتقل في ظروف غامضة، وبعد أيام علمت أنه موجود في عنجر، فذهبت للقاء غازي كنعان، وطلبت منه إطلاق سراحه، فقال إنه صار في دمشق. عاتبته وقلت له: ما القصة؟ فقال لي إن الرئيس الحريري زاره قبل أيام وقال له لديّ معطيات عن شخص لصيق بمغنية، حضر جلسة للحاج عماد مغنية وآخرين خُطّط خلالها لاغتياله في كمين، وهو يقول إن هذا الأمر لا يمكن السكوت عنه، فاعتقلنا سلامة. قلت له جيّد. لكن تبيّن أنه بعد ستة أيام من التحقيق العنجري، طُحنت خلالها عظامه، أنكر أبو حسن سلامة وأُرسل إلى دمشق، وكتبت حينها رسالة إلى الرئيس حافظ الأسد وحُوّل الأمر إلى العماد علي دوبا الذي طلبني للقاء وذهبت، وأراني ملف التحقيق الذي أكد أن لا أساس للاتهام، وأُطلق أبو حسن».

أدعو إلى جمع اعترافات العملاء والقيام بقراءة معمّقة لنشاطهم

تابع نصر الله: «في عام 1996، كان أمن المقاومة يلاحق عميلاً يعمل على تصوير مراكز وبيوت في الضاحية والجنوب، اسمه أحمد نصر الله. خلال التحقيق معه لم يكن في بالنا قصة الحريري واللواء كنعان وأبو حسن سلامة. هو ذكر هذا الأمر واعترف بأنه اتصل بأحد الأشخاص المعنيين بأمن الحريري، وقال له إنه لصيق بمغنية وأعطاه معلومات ومعطيات كاذبة. وكان يطلب من أمن الحريري أن يتجنّب الذهاب إلى أوتوستراد معيّن لأن حزب الله سيضع له تفجيراً، وتحكّم لشهور في سير موكب الحريري. ثم نقل عن لسان أبو حسن سلامة أنه اقترح على الحاج مغنية قتل السيدة بهية الحريري، وعندما يأتي الرئيس رفيق الحريري للتعزية نقتله. هذه التلفيقة قدّمها العميل إلى أمن الحريري. وقد سجن العميل حتى عام 2000، حيث أطلق سراحه في شباط وهرب مباشرة إلى فلسطين المحتلة، ولحقت به عائلته، وما زال موجوداً في فلسطين المحتلة، ويجنّد لبنانيين لمصلحة العدو. إذاً استطاع العميل أحمد نصر الله أن يزرع هذه التركيبة بتوجيه من العدو الإسرائيلي».
بعدها بُثّ فيديو للعميل أحمد نصر الله يسرد فيه هذه التفاصيل، ما عدّه نصر الله «شاهداً على بداية التلفيق الإسرائيلي (...) والرئيس الشهيد لم يبلّغ فقط غازي كنعان، بل الفريق في سوريا، وله أصدقاء فرنسيون وسعوديون، وقد تمكّن العدو من أن يزرع في ذهن الكثيرين وجود هذا المخطط». ثم ذكّر نصر الله بالاتهام الإسرائيلي لحزب الله، «منذ 14 شباط 2005 الإسرائيليون سارعوا إلى اتهامنا وأبقوا هذا الاتهام في السنوات الماضية عبر دير شبيغل وغيرها، ونشاهد تقريراً مختصراً من الاتهام الإسرائيلي لحزب الله».

قرائن الاتهام

عناصر من الجيش اللبناني في موقع عملية أنصارية (أرشيف)وبعد عرض الفيديو، انتقل نصر الله إلى الجزء الثاني من مؤتمره الذي قدّم فيه قرائن تتيح اتهام العدوّ الإسرائيلي بالاغتيال. فتحدّث أولاً عن قدرة إسرائيل «ولا أعتقد أننا بحاجة إلى الاستدلال على أن إسرائيل تملك القدرة على القيام بهذه العملية وغيرها مما حصل بعد اغتيال الحريري».
الدافع كان المعطى الثاني «الكلّ يعلم أن عداوة إسرائيل للمقاومة قوية ومريرة وشديدة، والعدو يهمه أن يستفيد من أي فرصة للقضاء على المقاومة أو نزع سلاحها، ولإسرائيل عداوة مع سوريا لأنها تمانع تسوية شاملة تضيع حقوقنا فيها، ولأنها تساند المقاومة». ونقل نصر الله عن «الرئيس السوري بشار الأسد أنه قبل أسابيع من صدور القرار 1559، زاره قائد عربي، وقال له إن المسؤولين في الولايات المتحدة الأميركية والغرب لا يمانعون بقاء القوات السورية في لبنان، ولكن شرط أن تنزع سلاح «حزب الله» وسلاح المخيمات الفلسطينية، وقد كان جواب بشار الأسد أن المقاومة جزء من الأمن الاستراتيجي لسوريا، وأن إسرائيل اجتاحت لبنان ولم تستطع نزع سلاح المخيمات». أضاف: «صار لزاماً حصول حدث ضخم لإخراج سوريا من لبنان وعزلها وضربها، فكان اغتيال الرئيس الحريري في 14 شباط 2005، واستُخدم هذا الاغتيال لإخراج سوريا يومها، وسيستخدم اليوم في محاصرة المقاومة لنزع سلاحها».
الأمر الثالث هو «الأسلوب الإسرائيلي في العمل الذي سيساعد في فهم الإشارات التي سأتحدث عنها. عندما يريد الإسرائيلي الإعداد لعملية يعتمد على الاستطلاع الجوي في المدن والبيوت والمنازل وحركة الأفراد وانتشار القوات المسلحة وقدرتها على السيطرة الفنية من كاميرات وهواتف خلوية. وفي الاستطلاع الميداني يعتمد الإسرائيلي على العملاء والجواسيس، ولا يكتفي بالصور الجوية، بل بالدعم اللوجستي من خلال إدخال متفجرات وأسلحة إلى ساحة العملية للتنفيذ. أليس لإسرائيل نشاط استخباري وعملياتي على الساحة اللبنانية. البعض كان يتعاطى بأنه لا نشاط للعدو وأنه لا علاقة له بالاغتيالات، ووجّهت أصابع الاتهام إلى سوريا، وعندما نجيب عن هذا السؤال نستطيع الوصول إلى جواب ما. نبدأ من العملاء الذين اعتُقل أغلبهم بين عامي 2009ـــــ2010، وهنا أتحدّث عن نماذج، واعترافاتهم عند الأجهزة في محاضر رسمية، وبعض هذه المضامين سُرّبت وكُتبت في وسائل الإعلام».

توقف نصر الله عند اعترافات ستة عملاء والمهمات التي كان يطلبها منهم مشغّلهم

هنا توقف نصر الله عند اعترافات ستة عملاء (راجع الكادر)، والمهمات التي كان يطلبها منهم مشغّلهم الإسرائيلي، وخصوصاً لجهة الاستطلاعات الميدانية التي تسبق تنفيذ العمليات عادة، مشيراً إلى أمر مهم جداً هو السؤال عن موقع الشاطئ البحري بالنسبة إلى الهدف، وعن استقبالاتهم للإسرائيليين وإيوائهم إياهم في منازلهم، ونقل حقائب أسلحة وذخائر. كذلك أشار إلى تبنّي تنظيم جند الشام اغتيال الشهيد غالب عوالي في محاولة لزرع الفتنة السنّية ـــــ الشيعية. وقال: «هؤلاء العملاء لديهم هذه الاعترافات عند الأجهزة اللبنانية، في ظلّ الدولة الحالية، وهذه بعض من اعترافاتهم. أنا أدعو إلى أن تقوم جهة ما بجمع كل اعترافات هؤلاء العملاء والقيام بقراءة معمّقة لنشاط العملاء على الساحة اللبنانية، ومن يرد الحقيقة في اغتيال الحريري يجب أن يبدأ من هنا».
ثم تطرّق إلى ملف الاتصالات، إذ تبيّن «بعد توقيف عملاء في هذا القطاع أن العدوّ سيطر سيطرة كبيرة على قطاع الاتصالات، وهم يستطيعون تحديد حركة أي شخص ومكانه إذا كانوا يريدون استهدافه (...) وفي موضوع الاستطلاع الجوي، الإسرائيلي لديه قدرة معروفة وعالية في هذا المجال، مع تنوّع طائرات الاستطلاع، لأن الإسرائيلي من أهم الدول المصنّعة لهذه الطائرات، ولديه تطور تقني عال جداً، وهو يصوّر في لبنان الأماكن المستهدفة، ويُعتمد الاستطلاع الجوي كحجر زاوية قد يُستكمل باستطلاع ميداني».
من هنا انتقل نصر الله ليكشف سرّ عملية أنصارية، فقال «قبل عام 1997 تمكّنت المقاومة من التقاط بثّ طائرة الـ«أم ك» وهي تصوّر في جنوب لبنان، وترسل الصور إلى إسرائيل. تمكنّا من الدخول إلى خط هذا الإرسال، وأصبح هناك إمكانية أن تصل مباشرة إلى غرفة عملياتنا الصور التي تصل إلى العدو، وهذا كان إنجازاً فنياً. احتفظنا بهذا الأمر لأنفسنا، والتقطنا الصور، وكانت البداية صعبة، لأن قراءة الصور والفيديو صعبة، لا يستطيع أي إنسان، وإن التقط هذه الصور، أن يفهمها مباشرة، ولم تكن قدراتنا الفنية تتيح أن نلتقط كل ما ترسله طائرات الاستطلاع في آن واحد، وأعتقد أنه بعد حادثة أنصارية اتخذ العدو إجراءات احتياطية، فشفّر البث. التقط الإخوة صوراً جوية لطائرة استطلاع إسرائيلية تصوّر من الشاطئ باتجاه البساتين وتمشي خلف طرق معينة إلى أن تصل إلى مكان يؤدي إلى طريق أنصارية. عُرف المكان وافترضنا أن الإسرائيلي سيقوم بعملية في المنطقة، فنصبنا كميناً على هذه الطريق لعدة أسابيع. وفي 5 أيلول 1997 جاء كوماندوس إسرائيلي وسار في الطريق المستطلع وصولاً إلى المكمن الذي أعدّه الإخوة وحصلت المواجهة. ويبدو أن العدو كان يحمل عبوات، وتدخلت المروحيات الإسرائيلية لإنقاذ من بقي وإخراج الجثث وتمكن من سحب الجثث والجرحى وستشاهدون أن لدينا صوراً من طائرة الاستطلاع، لم نتمكن من تصوير ساحة العملية».
وبعد عرض فيديو لعملية أنصارية، قال نصر الله إن «هذه المحصلة تعطي صدقية لهذه الوسيلة وتؤكد أن عملية الاستطلاع الجوي كانت تمهيداً لعملية أمنية. هذا نموذج ونبني عليه، وسنقدّم نموذجين عن عمليتي استطلاع جوي تحضيراً لعمليات اغتيال، حيث وُضعت لاحقاً عبوات للاغتيال، وسنعرض صوراً للتحضير ولكن ليس لدينا صور لموكب الأخ الذي استهدف، وما سنعرضه هو المقدمات التي اعتمدها الإسرائيلي».
نصر اللّه خلال مؤتمره الصحافي أمس (مروان طحطح)وعرض صوراً من علمية رصد علي ديب (أبو حسن سلامة)، وصور الاستطلاعين الأول والثاني للشهيد محمود المجذوب. وبناءً على ذلك دخل نصر الله في الشق المرتبط بموضوع الرئيس الشهيد رفيق الحريري. قال: «بعد استشهاد الحريري زرت عائلته في قريطم وطلبت العائلة مني أن يساعد حزب الله في التحقيق وشكلنا لجنة مشتركة شارك فيها بعض قياديي حزب الله وممثّل عائلة الحريري وسام الحسن، وجرت قراءة مسرح الجريمة وقُدمت للجنة معطيات عن تحرّك الحريري وأُعدت دراسة أوّلية عن تلك العملية. حصلت تطورات سياسية فانتهى الأمر عند هذا الحد بعدما اتهمت سوريا، إلى أن جاء موضوع «دير شبيغل» وانكشف شهود الزور وبدأ الاتهام يسير بالاتجاه الجديد. زعماء في لبنان سمعوا من مسؤولين في العالم ما ذكرته أنا. شكلنا فريقاً وقلنا له لنبحث جدياً وخصوصاً بعد توافر معطيات العملاء التي تعطينا مؤشراً تجاه العمل الإسرائيلي، وربما يكون العملاء الذين نفذوا عمليات سُحبوا إلى خارج البلاد. من جملة الأفكار التي طُرحت أن لدينا أرشيفاً لمناطق مختلفة، تعالوا لنرجع إلى الأرشيف وما سبق 2005، ونطابق بين خريطة حركة الحريري والأماكن التي يذهب إليها. بقينا نعمل ما يقرب السنة، وفي الأسابيع الاخيرة تعرّض الإخوة لضغط شديد، وأمضوا مئات الساعات لقراءة الفيديو، ووصلنا إلى نتائج مهمة جداً ولافتة جداً، وإذا جمعنا ما وصلنا إليه مع السوابق التي تحدثنا عنها، نصل إلى اتهام إسرائيل، وسنعرض مشاهد لطائرات استطلاع أغلبها فوق بيروت وهي نماذج لعمليات استطلاع إسرائيلية في عدة أزمنة، ويرتبط الاستطلاع الذي سنعرضه بمدينة بيروت والثاني لطريق الحريري إلى فقرا والثالث لمدينة صيدا، وخصوصاً استطلاعات للمنعطفات حيث تصبح حركة السيارات بطيئة».
وبعد عرض ثلاثة شرائط فيديو لهذه الأماكن سأل نصر الله: «عندي سؤال كبير في كل المناطق التي يستطلعها الإسرائيلي، هل تعرفون مراكز لحزب الله أو أماكن تجمّع له أو لقيادييه؟ لماذا يتابع الإسرائيلي هذا الطريق وفي أوقات متفاوتة في السان جورج وبالقرب من الشاطئ حيث يعطي للإسرائيلي إمكانية للقيام بأي عمل اغتيال، وهل هذه صدف فقط؟».
وتعليقاً على صور الرصد الإسرائيلي للطريق بين بيروت وفقرا سأل: «في تلك المنطقة ليس هناك أحد من المقاومة، ولا أحد يتردّد على تلك المنطقة او يستخدم هذا الطريق، هذا الطريق ليس لنقل عتاد لحزب الله، إذاً لمن يُستطلع هذا الطريق؟».
ورأى أن «هذه الصور والأفلام في أزمنة متعددة وفي أماكن متعددة لا يمكن أن تكون على سبيل الصدفة، ومن يقوم بهذا الاستطلاع يحضر لعملية استهداف».

تجاهل هذه المعطيات يؤكد اتهامنا للمحكمة الدولية بالتسييس

وتعقيباً على الافلام التي عرضت قال نصر الله «إنها لم تكن على سبيل الصدفة»، وقال: «حصلنا على صور طائرة «الأواكس» وحركة سلاح الجو الإسرائيلي يوم حصول اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وعرض الفيلم المصور وبالمواقيت المحددة بالساعة والدقيقة للنشاط الحربي الإسرائيلي وطائرة «الاواكس» مقابل سواحل بيروت ونشاط الكتروني إسرائيلي قبالة شواطئ بيروت». وأضاف إنه رُصدت طائرة تجسّس بعد الانفجار بيوم واحد. وذكر نصر الله أن بإمكان لجنة التحقيق الدولية الحصول على خريطة رصد حركة الطيران الإسرائيلي او تطلبه من إسرائيل او دول صديقة لها لديها رادارات، قبل أن يصل إلى ما سمّاه القرينة الأخيرة عن دليل في الأسابيع الأخيرة يرتبط بأحد العملاء التنفيذيين «اسمه غسان جرجس الجد الذي آوى مجموعة مرتبطة باغتيال غالب عوالي في بيته (أو الشهيد علي صالح) وحصلنا على معلومات مؤكدة أنه كان في منطقة العملية في السان جورج في جورج في 13 شباط 2005».
وبعد عرض فيديو عن العميل غسان الجد وأبرز نشاطاته وعمله، قال نصر الله إن المعلومات التي جمعت عن هذا العميل قُدمت إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية قبل أن نحصل على المعطى المرتبط بالسان جورج في 13 شباط، لكن هذا العميل فرّ من لبنان قبل أن تعتقله الأجهزة الأمنية اللبنانية».
وفيما رفض الكشف عن طريقة تحديد مكان الجدّ في 13 شباط 2005، قال «نحن لدينا أدلتنا، وإذا أنشئت في يوم من الأيام لجنة تحقيق غير مسيّسة فسيكون ذلك جزءاً مما يمكن أن نتعاون عليه».
وختم: «أنا لا أدّعي أننا نقدم دليلا قطعياً، نحن نقدم قرائن ومؤشرات ومعطيات، أسئلة تفتح آفاقاً جديدة للتحقيق. وإذا كان هناك حقيقة من يريد أن يصل إلى الحقيقة يجب أن يحمل هذه المعطيات ولأول مرة يُفتح الباب للتحقيق مع الإسرائيلي بعد مضيّ خمس سنوات وما يزيد على عملية الاغتيال. هذا بعض ما عندنا ونحتفظ ببقية لزمن آخر لأننا في زمن غادر وماكر. هذه المعطيات التي وفرها اعتقال العملاء 2009ـــــ2010 ساهم أن نتجه بقوة في هذا الاتجاه ولذلك كان تقديم هذه المعطيات الآن. ولو لم نكن مضطرين إلى تقديمها الآن لاحتجنا إلى بعض الوقت لاستكمال معطيات أمتن وأفضل يمكن أن نقدّمها».
ثم فتح باب الحوار، فسئل عن موقف المقاومة وحزب الله إذا تجاهلت لجنة التحقيق الدولية هذه المعطيات والتحقيق مع إسرائيل فقال «التجاهل يؤكد اتهامنا لجنة التحقيق بالتسييس». كما سئل عن تقديم المعطيات التي وردت إلى لجنة التحقيق الدولية، فأجاب: للأسف نحن لا نثق بهذا التحقيق، نحن حاضرون لإعطاء هذه المعطيات إلى الحكومة اللبنانية. وسئل متى ساءت العلاقة مع قريطم. قال: منذ حرب تموز، قبلها كنا على تواصل دائم وتناولت العشاء ذات مرة مع سعد الحريري في قريطم مع أصدقاء. وسئل عما اذا كانت المحكمة تستأهل كشف سر من أسرار المقاومة كعملية أنصارية قال: «حماية لبنان وحماية المقاومة أمام ما يتهددهما من أداء المحكمة الدولية يستأهل بذل الدماء وليس كشف الأسرار فقط».

أخبار ومقالات - المحكمة الدولية

بناة المحكمة زعزعوا صدقيتها

بناة المحكمة زعزعوا صدقيتها

تُعتبر الثقة بعدالة المحكمة وتجردها، أية محكمة، من جانب المجتمع المعني بقراراتها، شرطاً أساسياً لفاعلية هذه القرارات وإيجابية أثرها. ولا تشذ عن هذه القاعدة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. فبقدر ما تحوم الشكوك حول نزاهة المحكمة الدولية واستقلالها وتجردها، بقدر ما تتحول النظرة للمحكمة من مصدر للعدالة وإحقاق الحق إلى أداة لإيقاع الظلم.
من أسف أن معظم ما قام به بناة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان يدفع إلى التشكيك بتجردها واستقلالها عن المآرب السياسية وينال من صدقيتها، وما يلي هو عيّنة من الأدّلة على ذلك:






هذه عيّنة من الأفعال الاستثنائية التي تدفع إلى الحذر وتثير الشبهات حول الأهداف الحقيقية وراء إنشاء المحكمة، والتي قامت بها الدول المنشئة للمحكمة الدولية. ونستثني هنا ما قام به الطرف اللبناني من تنازلات عن حقوق سيادية ومخالفات دستورية كأن يتنازل بعض من السلطة الإجرائية، (بعد استقالة عدد من الوزراء في الحكومة وإبعاد رئاسة الجمهورية عن القرار بشأن إبرام الاتفاقية المنشئة للمحكمة)، عن صلاحية السلطة القضائية في تطبيق القانون بالنسبة لكل الجرائم التي ترتكب في لبنان والتي يفرضها الدستور اللبناني، فضلاً عن مخالفة مبدأ فصل السلطات.
1) الاتهامات والأحكام المسبقة التي كان يطلقها مسؤولون رسميون، وخاصة في الدول التي كانت لها الباع الأطول في إقامة لجنة التحقيق أولاً، ومن ثم المحكمة الدولية، بحق أطراف معينة منذ اللحظة الأولى لاغتيال الرئيس الحريري، وقبل إجراء أي تحقيق أو الحصول على أيّة أدلّة. 2) التجاوزات الهادفة التي ارتكبتها لجنة التحقيق الدولية، برئاسة ديتليف ميليس، بما في ذلك مخالفة معظم أصول التحقيق الجنائي، إن لجهة انتهاك مبدأ سرية التحقيق أو لجهة بلوغ استنتاجات قطعية في أول تقاريرها دون الاستناد إلى أيّة أدلّة مقبولة قانونياً، واستغلال تلك التقارير لاستصدار قرارات تعسفية من مجلس الأمن الدولي. وكذلك اتخاذ إجراءات ليس لها مبرر قانوني، مثل اعتقال الضباط المسؤولين عن الوضع الأمني في لبنان. 3) إنشاء مجلس الأمن، لأول مرة في تاريخه، محكمة دولية هدفها محاكمة المسؤولين عن جريمة لا تعريف ولا عقوبة لها في القانون الدولي، ويطبق بشأنها القانون الوطني حصراً (في وضعنا القانون اللبناني). ويتجاهل مجلس الأمن مجرد التحقيق في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، الذي هو في صلب القانون الجنائي الدولي ومبرر إقامة كل المحاكم الدولية التي سبقت المحكمة الخاصة بلبنان. وقد ارتكبت إسرائيل هذه الجرائم بحق لبنانيين في فترة تلت اغتيال الرئيس الحريري وسبقت إنشاء المحكمة، أي في عام 2006. 4) لأول مرة، ومن المستبعد جداً أن تتكرر، يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لإنشاء محكمة أساسها القانوني اتفاقية لم تستوفِ الشروط الدستورية لإبرامها، إن لجانب الجهة الصالحة للتفاوض بشأنها، أو لجهة موافقة السلطة التشريعية للدولة عليها التي هي الطرف الأساسي في هذه الاتفاقية، ما يطرح علامة استفهام كبرى حول قانونية المحكمة. 5) لأول مرة تنشئ الدول المقررة في مجلس الأمن محكمة دولية بموجب الفصل السابع لا تنظر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية التي كانت تعتبرها هذه الدول المبرر الوحيد لإقامة محاكم جنائية دولية بموجب الفصل السابع. 6) ولأول مرة يقيم مجلس الأمن محكمة دولية باللجوء إلى الفصل السابع من الميثاق الأممي لا تموّل من الموازنة العامة لللأمم المتحدة، بل تتولّى تمويلها دول متطوعة هي في الغالب القوى التي عملت على إنشاء المحكمة، بالإضافة إلى لبنان طبعاً، ما يطرح علامات استفهام إضافية بشأن استقلالية المحكمة بقطع النظر عن نزاهة قضائها.

لا سابق للجهود التي بذلتها قوى دولية، وفي طليعتها الولايات المتحدة، بهدف إقامة إجراءات قضائية على الصعيد الدولي للبحث عن قتلة الرئيس الحريري ومعاقبتهم، وهي تدّل على الأهمية التي تنيطها هذه القوى بعملية الاغتيال وآثارها على مصالح سياسية لها. فلم يسبق أن حظي اغتيال شخصية سياسية، مهما علا شأنها، بالاهتمام الدولي الذي لقيه اغتيال الحريري. فاغتيال رئيسة وزراء باكستان مثلاً، بنازير بوتو، التي لا تقل شهرة عن الرئيس الحريري، والتي اغتيلت في ظروف مشابهة، لم يلق اهتمام مجلس الأمن ولا الدول صاحبة القرار في توجهاته.
مهما كان الرأي باستقلالية القضاء الدولي ونزاهته وتجردّه، وخاصة في ما يتعلّق بالمحاكم الدولية التي تقام خصّيصاً للنظر في جرائم معينة، مهمّ جداً ألا يصرف النظر عن الأسباب والدوافع الفعلية التي حملت بعض القوى إلى بذل جهود غير مألوفة دولياً لإقامة محكمة فريدة من نوعها في أساسها القانوني واختصاصها وظروف نشأتها.
إن استصدار الدول المقتدرة قرارات من مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لا يفسّر بحجّة التوق إلى العدالة أو الرغبة في الاقتصاص من الجاني أو الراعي لجريمة قتل مهما علا شأن الضحية. فليس هناك سابقة بهذا الشأن. الجهود تلك لا يبررها سوى مصلحة عليا غالباً ما تكون في نطاق الأمن القومي للدول المقتدرة. إذا كان هذا المنطق مقبولاً، فعلينا إذاً أن نحاول إلقاء الضوء على الدوافع الحقيقية وراء جهود الدول التي بدونها لا يمكن استصدار قرارات من مجلس الأمن الدولي ولا يمكن بالتالي المحكمة أن ترى النور.
بعد سقوط الاتهام باغتيال الرئيس الحريري عن السوريين وإطلاق سراح الضباط المعتقلين وإخراجهم من دائرة الاتهام، لننظر بهدوء إلى الجهة التي يمكن أن تكون وراء اغتيال الرئيس الحريري، فنبدأ بتسليط الضوء على ما لحق اغتيال الرئيس الحريري من أحداث وتطورات، وذلك بهدف اكتشاف المستفيد الأكبر وربما الوحيد من هذه الجريمة. على أثر اغتيال الرئيس الحريري أُخرجت سوريا من لبنان وأُلصقت بها تهم اغتياله، اعتُقل الضباط المسؤولون عن الأمن، عمل الإعلام وبعض السياسيين على تشويه صورة الرئيس لحود وإبعاده عن القرار في كل ما يتعلق بإنشاء المحكمة الدولية، أُدخل لبنان في أزمة حكم وانقسام، وشحن مذهبي لا يزال يعانيه حتى الآن. فمن هو المستفيد الأكبر من كل ذلك؟ وبالتالي من يمكن أي يكون وراء هذه الجريمة ووراء إجراءات قضائية مسيّسة؟ وبهدف تظهير الصورة وإكمال الترابط بين الأهداف والنتائج، لنعد قليلاً إلى الوراء:
لعّل الانسحاب الإسرائيلي من لبنان عام 2000 كان يصحبه اعتقاد أو أمل القادة الإسرائيليين بأنّ حزب الله كحركة مقاومة سوف يزول بزوال الاحتلال الإسرائيلي. ولكن بعد الإدراك بأنه باق، وبفعالية، وهو يلعب دوراً هامّاً في مساعدة الدولة على بسط سيادتها على الأرض والمياه والأجواء اللبنانية، وهو عامل أساسي في تنمية ثقافة المقاومة وانتشارها، وكان له تأثير في قيام الانتفاضة الفلسطينية الثانية، أصبح القضاء على حزب الله هدفاً استرتيجياً ملحّاً بالنسبة لإسرائيل.
حتى عام 2004 كان الوجود السوري في لبنان يحظى بتأييد الولايات المتحدة، وكان يصفه بعض مسؤوليها بأنه عامل استقرار في لبنان. حاولت إسرائيل عن طريق أصدقاء لها في الولايات المتحدة إغراء سوريا في المساعدة على إنهاء الوجود العسكري لحزب الله في لبنان. فقدّم، على سبيل المثال، توم لانتوس، وقد شغل منصب رئيس لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأميركي وكان من أقرب المقرّبين لإسرائيل، تعهداً للسفير السوري في واشنطن، الدكتور عماد مصطفى، بأنه يضمن لسوريا بقاءً دائماً في لبنان مقابل المساعدة في إنهاء الوجود المسلّح لحزب الله. فلمّا لم يلق العرض الصهيوني ــــ الأميركي استجابة لدى السوريين، أصبح لا بد من وضع خطّة مستقلة متكاملة للقضاء على من اعتبره الرئيس الإسرائيلي، شيمون بيريز، خطراً وجودياً على إسرائيل.
من الطبيعي أن تستهدف هذه الخطّة إضعاف حزب الله، عن طريق عزله وتجريده من داعميه ومؤيّديه، وخلق مناخ عدائي له في الداخل اللبناني وفي الخارج. فكان قرار مجلس الأمن الرقم 1559 في أيلول 2004 ويتضمن أهدافاً ثلاثة: (1)الانسحاب السوري من لبنان، أي قطع الرعاية والدعم العربي المباشر والأساسي لحزب الله (2) منع التمديد للرئيس لحّود الذي بصفته الممثل الأعلى للشرعية كان مصدر الدعم الرئيسي لحزب الله في لبنان (3) نزع سلاح المقاومة. وبالرغم من أنّ التجاوزات والأخطاء التي ارتكبها مسؤولون سوريون قد هيأت القسم الأكبر من اللبنانيين للمطالبة بالخروج السوري من لبنان، إلا أنّ القرار 1559 لم يكن بذاته يضمن الخروج السوري السريع من لبنان، فكان لا بّد من حدث يكون بمثابة زلزال سياسي، كما يقول وليد جنبلاط، يحتّم إنهاء الوصاية السورية ويعجّل بها، ويخلق شرخاً مذهبياً يسهل استغلاله في إضعاف حزب الله داخليّاً، فكان اغتيال الرئيس الحريري. وقد تحقق كل ذلك بمساعدة تعبئة سياسية وحملة إعلامية على المستويين الدولي والمحلّي كانت بمنتهى الفعالية.
ولإعطاء مصداقية للاتهامات والادعاءات السياسية، بدءاً بما كان يصدر عن البيت الأبيض، وكذلك للحملة الإعلامية التي تشيع بأن سوريا هي وراء اغتيال الرئيس الحريري، ومن أجل إخلاء الساحة الأمنية لتسهيل عمل الاستخبارات الخارجية في زرع الجواسيس وتعميق الفتنة في آن، كان لا بّد من إيجاد هيئة قضائية دولية لاختلاق تهمة تورّط كبار الضباط المسؤولين عن الأمن في لبنان كجزء من المؤامرة السورية لاغتيال الحريري. فتكتسب كذلك عملية تلفيق التهم وجهاً شرعيّاً، إذ يصبح الاتهام قراراً للعدالة الدولية وليس مجرّد ادّعاء أطراف ذات مصالح خاصة. وهكذا كان.
أمّا الرئيس لحّود الذي لم ينجح القرار 1559 في منع تمديد مدّة رئاسته، فقد عزله رعاة القرار 1559 وممثّلو الأمم المتحدة للتفاوض على الاتفاقية المنشأة للمحكمة الدولية ولو أدّى ذلك إلى مخالفة الدستور اللبناني في ما يتعلق بإبرام الاتفاقيات الدولية، وبالتالي التشكيك في قانونية المحكمة.

فإذا اعتبرنا أنّ ما يقوله المسؤولون الإسرائيليون عن حزب الله بأنه يمثل خطراً وجودياً على إسرائيل هو جدّي، ومن غير المنطقي التشكيك بذلك لأنّه مصدر أساسي لانتشار ثقافة المقاومة ويرفض الاستسلام للأمر الواقع، فهل من شكّ في أنّ إسرائيل سوف تفعل المستطاع مباشرة ومن خلال أصدقاء وحلفاء لها للقضاء على هذا الهاجس الوجودي.
ففي ضوء الأهميّة التي توليها إسرائيل للقضاء على حزب الله، وبالنظر للجهود غير المألوفة التي بُذلت في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما سبقها من أحداث وإجراءات على المستوى الدولي، وأخذاً في الاعتبار النفوذ الذي كان يتمتع به أصحاب القرار من أصدقاء الدولة العبرية في إدارة الرئيس بوش في ما يتعلق بالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، وبخاصة داخل البيت الأبيض وفي مجلس الأمن، فهل يجوز استبعاد أن تكون إسرائيل وحلفاء لها وراء اغتيال الرئيس الحريري، وبخاصة من كان لسقوطهم بعده أثر هام في تعميق الشرخ في الداخل اللبناني واستعداء شريحة كبرى من اللبنانيين لحزب الله، وكذلك دور أساسي في إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان؟
هذه بعض الاستنتاجات المنطقية المبنية على الوقائع التي تلت اغتيال الرئيس الحريري. أما القرائن على اهتمام إسرائيل بالمحكمة الدولية ودورها في تجريم حزب الله فيمكن ملاحظتها من خلال اهتمام إسرائيل بأن تأخذ العدالة مجراها في لبنان منذ اللحظة الأولى لاغتيال الحريري، ومن خلال تصاريح مسؤوليها وإعلامها عما توصلت إليه المحكمة الدولية بشأن توّرط حزب الله في الجناية التي هزت لبنان وما ستؤول إليه الأوضاع في لبنان بعد صدور القرار الاتهامي عن المحكمة. وحرصاً من إسرائيل على الثأر للرئيس الحريري، أبدت خشيتها من أن يتساهل ابنه، رئيس الوزراء اللبناني، في الثأر لدم أبيه.
كل ذلك يثقل كاهل المحكمة لجهة الصدقية والاستقلال عن المآرب السياسية لمنشئي المحكمة بقطع النظر عن نزاهة القضاة القيمين عليها ومهنيتهم.
أما بالنسبة للإجراءات القانونية التي تبنّتها المحكمة لضبط عملها، فهناك خروج على الضمانات الأساسية لحقوق المتهمين. وعلى سبيل المثال، وكما أكد رئيس المحكمة أنطونيو كاسيزي في بيان نُشِر في 4 آذار 2009، «تستطيع الدول تقديم معلومات إلى الادعاء أو الدفاع قد تفيد تحقيقاتهما، وذلك سراً بدون أن يكون المتلّقي ملزماً بكشف هوية مانح تلك المعلومات». وبموجب مواد عدة في الإجراءات القانونية للمحكمة، تستطيع إسرائيل أو أية دولة أخرى تزويد المدعي العام لدى المحكمة الدولية بمعلومات قد تكون مزوّرة لا يستطيع الإعلان عن مصدرها إلا إذا وافق هذا المصدر، وإذا أخذنا بالحسبان ما يمكن النشاط الإسرائيلي في ميدان التجسس في لبنان، وخاصة في فرع الاتصالات، أن ينتج من سجلات مزورة، فهل في ذلك مدعاة اطمئنان لتجرد المحكمة وتحصينها واستقلالها عن إرادة بعض منشئيها وأصحاب المصلحة في انحرافها؟ فضلاً عن ذلك، مثّل قرار المحكمة بعدم صلاحيتها في ملاحقة شهود الزور الذين كان لهم الدور الأبرز في الظلم الذي صدر عن لجنة التحقيق الدولية، وهو ظلم شارك فيه القضاء اللبناني، عاملاً إضافياً في تقويض الثقة بتجرّد المحكمة واستقلاليتها في البحث عن الحقيقة.

إذاً، ما العمل؟

لا بد من إنشاء هيئة قوامها أفراد مشهود لهم بالنزاهة والكفاءة المهنية، ويتمثل فيها: الأطراف السياسية في لبنان كافة، ومهمتها القيام بالتحقيق في كل ما هو متوافر من أدّلة بشأن اغتيال الرئيس الحريري، والذين سقطوا بعده، وأن تضع هذه الأدلة أمام المحكمة الدولية. ففي ذلك فوائد عدة: أولاها استعادة بعض السيادة التي تنازل عنها لبنان من خلال القبول بتحويل حق وواجب القضاء اللبناني في تطبيق القانون اللبناني بشأن جريمة ارتُكبت في لبنان. ومن شأن مثل هذه الخطوة تعطيل عوامل الفتنة ورأب الصدع الذي بدأ يتعمق داخل المجتمع اللبناني على أثر اغتيال الرئيس الحريري وتولّي أطراف خارجية التحقيق وإقامة المحكمة. وكذلك وربما الأهم هو مساعدة المحكمة في تحصين تجردّها واستقلالها عن إرادة صانعيها وإزالة الشوائب التي رافقت نشأتها. ولا يجوز القول إن في ذلك مساساً بنزاهة المحكمة واستقلاليتها، أو بالمبادئ الضامنة لبلوغ العدالة. مبدأ أساسي من مبادئ العدالة في القضاء الجزائي هو الفصل بين التحقيق والمحاكمة. أمّا إذا بادرت الدول المنشئة للمحكمة إلى إلغائها، فتكون قد أوضحت هدفها من وراء إنشاء المحكمة ووفرت على لبنان المطالبة بإلغائها.

 

داود خير الله

أخبار ومقالات - المحكمة الدولية

نصر اللّه يكشف سر أنصاريّة و«العميل الفار»

نصر اللّه يكشف سر أنصاريّة و«العميل الفار»مساء الاثنين المقبل، ليس كبقية مساءات لبنان. والمؤتمر الصحافي الذي سيعقده الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، سوف يفتح الابواب مشرعة لحديث آخر في المدينة. لا احد سيستطيع التجاوز او التأويل او التلاعب. حتى لو عملت ماكينات دولية على الامر، فإن ما سوف يعلق في الأذهان صعب محوه

ابراهيم الأمين
لأول مرة منذ زمن بعيد، يلجأ حزب الله الى الكشف عن وثائق ومعلومات تتعلق أساساً بالحرب الامنية المفتوحة منذ نحو عقدين بين المقاومة والعدو، تلك الحرب التي تطورت تطوراً غير مسبوق في الاعوام القليلة الماضية، والتي اتاحت للجانبين التعرف على امور كثيرة لا يعرفها لا الجمهور في لبنان ولا حتى الجمهور الاسرائيلي.
قبل شهور عدة، عندما قررت قيادة حزب الله إعداد خطة مواجهة لمشروع القرار الدولي باتهام الحزب بالتورط في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، عقدت سلسلة من الاجتماعات المتخصصة في الجسم القيادي في حزب الله، بشقيه السياسي والامني التخصصي. وكانت الوجهة، إعادة رسم المشهد بطريقة اكثر تحديداً، والعمل بقوة، لا فقط على مواجهة الاتهام – الفتنة بالحملة السياسية، بل السعي الى تقديم اتهام بديل، هدفه ليس اصدار حكم قضائي، بل فتح تحقيق قضائي لبناني، او عربي، او دولي، يأخذ بالاعتبار احتمال تورط اسرائيل في الجريمة، وخصوصاً أن اتهام المقاومة، واستدعاء مكتب دانيال بلمار عدداً من كوادر الحزب من الذين تعرفهم إسرائيل وحدها، جعلا الحزب يتصرف بقوة على أساس أن الاتهام إسرائيلي المنشأ وإسرائيلي الاستهداف.
العودة الى الارشيف وإعادة فرز المعطيات، وتجميع الاوراق والادلة وإعداد مخطط توجيهي لإنتاج مادة تفيد في السياق، أخذت جهداً كبيراً، خصوصاً أن الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، كما يعلم من هم داخل الحزب قبل خارجه، لا يمكنه التوجه الى قيادات الحزب ولا الى الجمهور بأي أمر لا يكون واثقاً من صحته، فكيف إذا كان عليه توجيه الاتهام لإسرائيل في قضية شديدة الحساسية مثل اغتيال الحريري. فكانت عبارته المحددة للكوادر العاملين في الملف: لن أقول كلمة ليس لها سند مادي صلب، على شكل وثيقة أو تسجيل صوتي أو مصور.
على هذا الأساس بدأ العمل، وأعدت خلال فترة غير قصيرة مجموعة كبيرة من الوثائق التي تفيد في الموضوع، وجرى فرزها والتثبت من محتواها، وعرضها لدراسة أهميته ومدى إفادتها. وفي هذه العملية، كانت الامور تجري من دون تحفظ، أي إن الفريق عمل على كل ما لدى الحزب، قبل أن تحصل عملية الفرز التي قضت بإهمال كل دليل مشكوك فيه، وإهمال كل إشارة لا يمكن التثبت منها، وأكثر من ذلك إعداد لائحة بيانية بالموجودات ومصدرها، وهو الامر الاكثر حساسية، لأن على قيادة حزب الله أن تتخذ قراراً هو الاول من نوعه، إذ إن بعض الوثائق تم الحصول عليها من خلال مصادر معينة، تقنية أو بشرية أو غير ذلك، وبالتالي فإن استخدامها قد يعرّض هذه المصادر للخطر، أو قد يفتح أعين العدو وأعين القريب.
في فترة من الوقت كان على قيادة الحزب والسيد نصر الله خاصةً اتخاذ القرار في هذه النقطة، وهي التي تبيّن أنها تشمل اموراً شديدة الحساسية، الى ان تقرر اختيار ما يجب ان يظهر كعنصر داعم للفكرة الاساسية. ولأنْ لا احد يعرف تفاصيل ما عرض فإن المؤتمر سوف يظهر للجمهور تفاصيل ما اتفق على استثنائه من لائحة «الاسرار غير المسموح بتداولها».

الخطوة التالية، كانت إعداد الامر على صورة مؤتمر صحافي. وجرى تقسيم الملف الى جزءين اشار السيد نصر الله في خطابه الاخير إليهما: واحد يتعلق باتهام إسرائيل، وثانٍ يتعلق بالتلاعب في عمل لجان التحقيق الدولية. وتقرر يومها إعداد ملف متكامل لكي يعرض في مؤتمر صحافي يظهر فيه السيد نصر الله على شكل أستاذ يشرح درساً في القانون والسياسة، ثم العمل على إعداد الآلية التي تتيح قول ما يجب قوله، خصوصاً أن التقدير الاولي يشير الى حاجة نصر الله إلى ما يتجاوز أربع ساعات لقول كل ما لديه. لكن تم التفاهم سريعاً على ان يتولى السيد شرح بعض الامور بكامل تفاصيلها، وترك ملفات اخرى، يتولى هو الاشارة الى عناوينها والى تفاصيلها بإيجاز، ويترك لقياديين آخرين من الحزب التحدث عنها تفصيلاً.
وأكثر من ذلك، لجأ نصرالله الى الاستعانة بآراء جهات قانونية لاجل تقديم رأي في هذه المعلومات والوثائق على اساس انها قابلة للنقض، وسمع الملاحظات الاساسية. حتى انه وخلال الاجتماع الاخير برئيس المجلس النيابي نبيه بري طلب اليه ان يقول رأيه في هذه المعلومات على اساس انه محام وليس رئيسا للمجلس النيابي. ورد بري بعد الاطلاع انه في حال عرضت عليه هذه المعلومات فسوف يطلب فورا العمل على تحويله عناصر اتهامية.
إثر الخطاب الذي سأل فيه نصر الله عن معلومات فرع المعلومات عن الموقوف شربل ق. حصلت تطورات سياسية كبيرة في البلاد. وبعد ثلاث خطب ومؤتمر صحافي، والاشارة إلى المؤتمر الصحافي الاخير، بدا أن الفريق الآخر استحق الأمر، وسارع الرئيس سعد الحريري الى التواصل مع قيادات في المنطقة كما في سوريا مثيراً الامر. فكانت الاستجابة السعودية بأن يتولى الملك عبد الله شخصياً رعاية الحل، خصوصاً أن الحريري وضع السعوديين في أجواء أن حزب الله يخطط لعملية انقلابية تطيح الحكومة في البلاد. ولفت الحريري انتباه الملك إلى ان سوريا وحدها القادرة على وقف هذا المشروع.
حصلت التطورات التي يعرفها الجميع، وصل نجل عبد الله ومساعده عبد العزيز الى دمشق وبدأ ترتيبات اللقاء، وقال للأسد إن الملك يرغب في أن يرافقه في زيارة قصيرة الى بيروت يكون هدفها التهدئة. لم يمانع الأسد ولكنه قال إنه يريد أن ينتظر نتائج اجتماعه بالملك. فهم عبد العزيز أن الامور قد لا تجري بالطريقة المقترحة. ولما عاد الى والده كان الأسد قد سافر الى بيلاروسيا، وهناك تلقى اتصالاً من عبد العزيز مذكراً إياه بطلب الملك مرافقته الى بيروت، فرد الأسد بجواب دبلوماسي لا يثبت الأمر، فما كان من عبد العزيز الا ان ابلغ الاسد ان الملك يريد ان يتحدث معه مباشرة. وعلى الهاتف اصر الملك على الاسد ان يرافقه الى بيروت، فرد الاسد بإيجابية بدت للملك السعودي غير حاسمة، فكان ان طلب منه على الطريقة العربية وعداً فقرر الاسد عندها مرافقته الى بيروت. جاء الملك الى دمشق وعقد الاجتماع الاساسي مع الأسد الذي استمر أكثر من 3 ساعات أرسل بعدها نجله الامير عبد العزيز الى بيروت لوضع الحريري في الاجواء، قبل ان يعود ويجري استكمال التحضيرات لزيارة الملك والاسد لبيروت. وكان الملك يريد ان يرافقه الاسد لأن في ذلك ما يعزز الصورة التي تطمئن الحريري وبقية فريق 14 آذار. وتم التوافق على ان القرار الظني المفترض صدوره يمثّل خرقاً كبيراً للهدوء، وقد يؤدّي إلى كارثة كبرى. وقال الاسد صراحة للملك السعودي انه لا يمكنه تقديم اي نوع من الضمانات حول مصير الحكومة او الوضع السياسي في لبنان ان لم يتم تدارك الموقف. عندها سارع الفريق الاخر الى تقديم جملة مقترحات حاولت في المرحلة الاولى التركيز على فكرة تأجيل اصدار القرار الظني، ولما ابلغ حزب الله دمشق بأنه يرفض مجرد النظر في الامر، قال الملك السعودي انه سيعمل كل ما بوسعه للانتهاء من الامر نهائياً.

بعدها بدأ الحديث عن التهدئة. وقيل لسوريا وحزب الله «ان السعودية استجابت لطلبكما، نصر الله استهدف من خطابه دق ناقوس الخطر ونحن استجبنا، فاتركوا لنا مجالاً للعمل». وهذا يعني حكماً ان يتوقف حزب الله والسيد نصر الله تحديداً عن اثارة بعض الملفات الخاصة بالمحكمة الدولية وبالتحقيق الدولي وملفات شهود الزور لأن فيها ما يصيب الجميع دفعة واحدة، وهو ما تم الاتفاق عليه.
بعدها عاودت قيادة حزب الله الاجتماع، وعملت على فرز الوقائع التي بين ايديها، وتقرر عندها تقسيم الملف الى جزءين منفصلين، واحد يتعلق بشهود الزور وبعمل لجان التحقيق الدولية وهو الذي يتضمن معلومات في غاية الخطورة، ويؤجل بانتظار نتائج المساعي السعودية، والآخر منفصل ويتعلق باتهام اسرائيل بالتورط في جريمة الاغتيال، وهو الذي اعيد البحث فيه وتقررت مواده، بما في ذلك قرار الكشف عن أسرار عملية أنصارية الشهيرة التي وقعت في 5 ايلول 1997، حين وصلت قوة كوموندوس اسرائيلية من وحدة الشييطت البحرية الى شاطئ انصارية للقيام بعمل امني ما، فإذا بها تقع في كمين محكم نصبه حزب الله في إطار عملية امنية معقدة، أدت الى مقتل جميع ضباط الفرقة وعناصرها.
بالاضافة الى عملية أنصارية، فإن الحزب قرر كشف ملف خاص يتعلق بأحد العملاء الذين عملوا على إيهام الرئيس الحريري بأنه سيكون عرضة لعملية اغتيال من حزب الله. وقد لوحق واعتُقل وصوّرت اعترافاته قبل أن أن يُسلم إلى الجهات الرسمية حيث أوقف لمدة ثم فر في ظروف غامضة إلى إسرائيل حيث لا يزال هناك.



... ويلتقي حمود ويتابع قضايا عكار

واصل الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله لقاءاته السياسية، واستقبل امس إمام مسجد القدس في صيدا الشيخ ماهر حمود وعرض معه الاوضاع العامة، والمناخات السائدة في البلاد، وكان تفاهمٌ على أهمية الوحدة الداخلية وعدم وجود قدرة لأحد على افتعال فتنة مذهبية تنال من المقاومة.
ثم استقبل نصر الله وفداً من عكار ضم النواب السابقين وجيه البعريني ومحمد يحيى ومصطفى حسين، وعرض معهم للتطورات في لبنان، وتوقف عند الوضع في منطقة عكار، حيث استمع نصر الله من الوفد الى شرح عن الواقعين السياسي والاجتماعي لتلك المنطقة، وما جرى بين الانتخابات النيابية والانتخابات البلدية، وعن كيفية نجاح قوى المعارضة في الوصول الى الفوز بغالبية البلديات ورئاسة الاتحادات في تلك المنطقة.
كذلك كان عرضٌ للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع تفاصيل كثيرة أظهرت للوفد أن الأمين العام لحزب الله يملك صورة مفصلة عن واقع القرى والبلدات هناك ويعرف تفاصيل كثيرة عما يجري، وجرى التشاور في آليات تحسين التعاون السياسي بين الافرقاء كافة.

أخبار ومقالات - المحكمة الدولية

كيف كشف المحقّقون اللبنانيّون مجموعة مراقبة الحريري؟

كيف كشف المحقّقون اللبنانيّون مجموعة مراقبة الحريري؟استندت لجنة التحقيق الدولية في عملها إلى ثغرة تحقيقية ترتبط بالاتصالات الهاتفية. وقد فتح هذه الثغرة محققون لبنانيون، في الأسابيع التسعة التي تلت اغتيال الحريري، كانوا خلالها يتعرضون لشتى أنواع الهجوم السياسي. حدد المحققون ثمانية خطوط راقبت الحريري إلى لحظة اغتياله، قبل وضع تصور تفصيلي لعملها. كيف بدأ التحقيق بهذا المسار وإلى أين انتهى؟

حسن عليق
يوم 14 شباط 2005، كان رئيس الفرع التقني في مديرية استخبارات الجيش العقيد غسان الطفيلي في الإمارات العربية المتحدة، بمهمة رسمية. وفور معرفته بوقوع جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، ترك الوفد الذي كان في عداده، وعاد أدراجه إلى بيروت، بعد إجراء اتصالات لتأمين تذكرة سفر، وخاصة أنه لم يتمكن من حجز مقعد له إلا في اليوم التالي للجريمة.
فور وصوله إلى مركز عمله، التقى الطفيلي مدير استخبارات الجيش العميد ريمون عازار الذي أعطى فروع المديرية صلاحيات كاملة للعمل على التحقيق باغتيال الحريري، من دون مراجعته.
اختار الطفيلي عدداً صغيراً جداً من العاملين في الفرع التقني، لمباشرة التحقيقات بالجريمة. كانت الأجهزة والتقنيات الموجودة في مديرية استخبارات الجيش «متخلفة» جداً، وكان تحليل بيانات الاتصالات يتم بشكل شبه يدوي، ولم تكن في حوزة الفرع أي برامج كومبيوتر تمكنه من تحليل الاتصالات.
أرسل الطفيلي عدداً من الطلبات إلى شركتي الهاتف الخلوي، عبر النيابة العامة التمييزية، طالباً تزويده ببيانات عن الاتصالات التي أجريت في ساحة الجريمة، وفي منطقة ساحة النجمة. في الأيام الأولى، لم يتمكن المحققون من إحداث أي خرق، قبل أن يجروا فرزاً للاتصالات التي أجريت قبيل وقوع الجريمة، بين ساحة النجمة ومنطقة عين المريسة. كان الطفيلي والعاملون معه يفكرون بأن أي مجموعة تراقب الحريري عليها أن تكون منقسمة إلى مجموعتين: الأولى في ساحة النجمة لتحديد وقت خروجه من المكان ووجهته، والثانية في عين المريسة لتتلقّى المعطيات من الأولى.
وبالفعل، أظهرت البيانات الهاتفية صحة هذا التوجه. إذ أظهرت البيانات التي حصلت عليها مديرية استخبارات الجيش من شركة ألفا وجود 6 أرقام هواتف، مسبقة الدفع، كانت ناشطة بين المنطقتين قبل الجريمة، وأنها توقفت عن العمل قبل الانفجار بنحو ثلاث دقائق.
التدقيق ببيانات هذه الأرقام بيّن أنها لم تتصل إلا في ما بينها، مع استثناءات قليلة. فهذه الأرقام (03123741، 03125636، 03127946، 03129652، 03129678، 03129893)، أجريت اتصالات منها وإليها مع الرقمين 03292572 و03478662. والأرقام الثمانية المذكورة وضعت بالخدمة ابتداءً من يوم 4/1/2005، من خلال الاتصال برقم التشغيل 1456، من منطقة يرجح أنها تقع بين تربل والمنية. وشغلت هذه الأرقام ابتداءً من الساعة 02:15:29 من اليوم ذاته، بفارق دقائق معدودة بين كل منها. وهذه الأرقام الثمانية، لم تستخدم بعد جريمة اغتيال الحريري، ولم تُعَد تعبئتها، وتركها مستخدموها لتخرجها الشركة تلقائياً من الخدمة يوم 17/3/2005.
ركز المحققون عملهم على تحليل اتصالات هذه الخطوط، فتبين أنها استخدمت بعد تشغيلها، خلال 12 يوماً فقط، وفقاً للآتي:
يوم 14/1/2005، في بيروت والشمال وجبل لبنان.
يوم 20/1/2005، في بيروت
يوم 28/1/2005، في بيروت وجبل لبنان
يوم 31/1/2005، في بيروت
يوم 2/2/2005، أعيدت تعبئتها في الشمال (طرابلس وتربل والمنية)
يوم 3/2/2005، في بيروت
يوم 8/2/2005، في بيروت
يوم 9/2/2005، في بيروت
يوم 10/2/2005، في بيروت
يوم 11/2/2005، في بيروت ومنطقة الشمال
يوم 12/2/2005، في بيروت وجبل لبنان
يوم 14/2/2005 (اغتيال الحريري، في بيروت، وبالتحديد في المنطقة الممتدة من الروشة إلى وسط بيروت وما بينهما). ويوم الجريمة، تمركز أفراد المجموعة في منطقة وسط بيروت ابتداءً من الساعة الثانية عشرة ظهراً، بعدما تحركوا في المنطقة المذكورة أعلاه. وفي الدقائق الأخيرة التي سبقت خروج الحريري من ساحة النجمة، تمركز ثلاثة من أفراد المجموعة على التقاطعات المحيطة بالساحة، والتي يمكن منها تحديد الطريق التي سيسلكها.

تحدّث المحقّقون عن احتمال أن تكون هناك سيارة مفخخة ثانية قرب برج المر

 

نوار الدونا توفّي أم قتل في حادث سير، وهو الشاهد الوحيد الذي رأى أحد المشتبه فيهم مرتين؟

واستنتج المحققون وجود رقم محوري بين الأرقام الثمانية، يمكن الترجيح بأن حامله كان مكلفاً بالتأكد من المسار الذي سيسلكه الحريري بعد الخروج من ساحة النجمة. وكان هذا الشخص الذي يستخدم الرقم 03129893، موجوداً على الأرجح في شارع المصارف. وبعد انطلاق موكب الحريري، أجرى اتصالين باثنين من أفراد المجموعة، أحدهما موجود في منطقة القنطاري، والثاني في عين المريسة قرب فندق سان جورج. وعند تحليل تحركات المجموعة، سرت بين المحققين نظرية مفادها احتمال وجود سيارة مفخخة أخرى، غير تلك التي انفجرت في عين المريسة، وأنها على الأرجح كانت موجودة في منطقة القنطاري، قرب برج المر، تحسباً لاحتمال أن يسلك موكب الحريري هذه الطريق من ساحة النجمة إلى منزله في قريطم.
اتصالات خاطئة
وإلى هذه الأرقام الثمانية، حُدّد هاتفان، أحدهما ثابت في النبطية، والآخر خلوي. وقد تلقى أحد الخطوط الثمانية اتصالاً مدته تسع ثوان من الهاتف الثابت، فيما تلقى الرقم الخلوي ثلاثة اتصالات من اثنين من الهواتف الثمانية (11 ثانية و7 ثوانٍ و5 ثوانٍ).
وجرى التدقيق بمستخدمي الهاتفين، فتبين أن الهاتف الثابت في النبطية يستخدم للعموم، ورجح المحققون أن يكون الاتصال قد تم عن طريق الخطأ، نظراً إلى مدته القصيرة. أما الهاتف الخلوي الذي تلقى ثلاثة اتصالات، فرقمه شبيه بأحد أرقام مجموعة الثمانية، وتستخدمه سيدة لا تدور حولها أي شبهات. وقد جزم المحققون بأن اتصالات أفراد المجموعة بها، تمت أيضاً عن طريق الخطأ.
الأرقام الثمانية كانت مسجلة بأسماء أشخاص حقيقيين، بموجب مستندات هوية حقيقية وغير مزورة. وقد استدعي هؤلاء الأشخاص إلى التحقيق، فثبت للمحققين أنه ليس هناك أيّ شبهات بحقهم، وأنهم يجهلون كيفية تسجيل هذه الخطوط بأسمائهم.
جرت ملاحقة مصادر هذه الأرقام، فظهر أنها مبيعة عبر شركة باور غروب إلى شخص يملك محلاً لبيع الهواتف الخلوية في طرابلس، يدعى مصطفى مستو، ويعمل في محله شاب يدعى أيمن طربيه.
استدعت مديرية استخبارات الجيش مديرين وموظفين من شركة باور غروب، إضافة إلى مستو وطربيه، وموظفين في شركة ألفا، إضافة إلى عدد كبير من أصحاب محال بيع الخلوي في طرابلس. ونتيجة التحقيقات، تبيّن أن هؤلاء الأشخاص لا صلة لهم بالجريمة، وأنه ليس هناك سجلات ممسوكة جيداً في معظم المحال، وأنه «يمكن الزبون أن يشتري خط هاتف خلوي من دون أن يترك صورة عن هويته. وأحياناً، تُلصق أي نسخة عن بطاقة هوية موجودة لدى أصحاب المحال، وذلك للاستفادة من مبلغ ثلاثة دولارات أميركية عن كل خط تتسلم شركة الخاتف الخلوي أوراقاً ثبوتية لصاحبه»، بحسب ما يرد في الملخص الذي أعدّته استخبارات الجيش.
انتقل محققو الاستخبارات لدراسة الهواتف التي استخدمت عليها هذه الخطوط الخلوية، فلاحظوا أن اثنين من هذه الهواتف كانا قد استخدما لتشغيل رقمين خلويين، أحدهما يعود إلى موظفة في شركة معروفة (وكيل حصري لأحد ماركات الهاتف الخلوي)، والآخر يعود إلى شاب سوري الجنسية يدعى نوار الدونا، يملك محلاً لبيع الأجهزة الخلوية في طرابلس.
بيانات شركة ألفا في صلب التحقيقات (أرشيف)استدعت مديرية استخبارات الجيش الموظفة المذكورة التي تبيّن أنها كانت قد استعملت في مركز عملها، لمدة ساعتين من يوم 8/12/2004، أحد الأجهزة الخلوية التي استخدمها لاحقاً المشتبه فيهم بمراقبة الحريري.
أما نوار الدونا، فأفاد بأنه كان قد باع يوم 30/12/2004 خمسة هواتف خلوية (من دون خطوط) لشخص مجهول اشتراها من دون وثائق ثبوتية، رافضاً الحصول على استمارة كفالة هذه الخطوط. ولفت الدونا إلى أن من اشترى الخطوط عاد بعد نحو أسبوع، وبالتحديد يوم 5/1/2005، وقال للدونا إن أحد هذه الأجهزة الخلوية معطل. فأخذ الدونا الهاتف من المشتري، ثم وضع عليه رقمه الخاص لتجربته، قبل أن يصلحه ويعيده للمشتري، إذ إن العطل الوحيد الذي كان فيه هو أن أحد أزراره لا يعمل بطريقة صحيحة. وهذه الهواتف الخمسة، استعملها أفراد المجموعة التي يعتقد أنها راقبت الحريري.
حتى ذلك الحين، كان نوار الدونا الشاهد الوحيد الذي يصرح بأنه قابل، مرتين، أحد المشتبه فيهم الرئيسيين باغتيال الحريري. وفي حادثة شديدة الغرابة، توفي نوار الدونا بحادث سير في منطقة المتن، (على طريق بكفيا)، في تشرين الثاني 2005. وقيل حينها إن جثته تهشمت، فيما بقي من كان معه في السيارة حياً.
في المحصلة، اختتم الفرع التقني في استخبارات الجيش المرحلة الأولى من تحقيقاته، وسط هجوم سياسي عنيف على رئيسه العقيد غسان الطفيلي، من قبل قوى 14 آذار. إذ لم تترك هذه القوى، وعلى رأسها النائب وليد جنبلاط، مناسبة من دون المطالبة بإقالة الطفيلي الذي كان قد أمسك بالخيط الأصلب، حتى ذلك الحين على الأقل، في التحقيقات بالجريمة. وكانت قوى 14 آذار تتهم الطفيلي بأنه الأذن التي يستخدمها النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري للتنصت على السياسيين. ووصل الأمر ببعض الفريق السياسي إلى حد اتهام الطفيلي، اتهاماً مبطناً، بتسهيل مهمة اغتيال الحريري من خلال التنصت عليه.
أنجز الطفيلي مهمته الأولية، ونظم تقريراً بالتزامن مع تعيين العميد جورج خوري مديراً للاستخبارات بالوكالة، خلفاً للعميد ريمون عازار الذي طلب إجازة نهاية نيسان 2005، وتوجه مع عائلته إلى باريس، نتيجة للضغوط السياسية والإعلامية التي تعرض لها منذ اغتيال الحريري.
سلّم الطفيلي تقريره إلى خوري، الذي أطلع قائد الجيش العماد ميشال سليمان على مضمونه. فطلب سليمان إحالة الملف على قاضي التحقيق العدلي.
عند هذا الحد، انتهت مهمة الطفيلي الذي أقيل لاحقاً من منصبه. أحيل الملف على لجنة التحقيق الدولية. وعندما أصدرت تقريرها الأول يوم 20 تشرين الأول 2005، صُدِم المحققون اللبنانيون بأن رئيس اللجنة، ديتليف ميليس، نشر وقائع التحقيقات التي كانت قد أنجزتها استخبارات الجيش في هذا المسار. ويلفت أحد الأمنيين إلى أن هذه المعطيات كان يجب أن تبقى طي الكتمان، لأنها مثلت أبرز خرق جدي في مسار التحقيقات. وبحسب أمني معني بالملف، فإن ميليس، بنشره هذه التفاصيل، أحرق احتمالاً، ولو ضئيلاً، لأن يرتكب مستخدمو الهواتف الثمانية خطأً باستخدام أحد الأجهزة الخلوية التي استعملوها خلال مراقبة الحريري، فيما لو كانوا لا يزالون يحتفظون بأحدها. ورغم ضعف هذا الاحتمال، يضيف الأمني، «كان لا بد من الرهان عليه».
قبل ذلك، حصلت حادثة ذات دلالة لم يتنبه القائمون بالتحقيق في استخبارات الجيش إلى دلالاتها إلا بعد أكثر من ثلاثة أعوام. فعندما كان محققو الفرع التقني يدققون في البيانات الموجودة في شركة ألفا، بقي عدد منهم داخل المبنى الرئيسي للشركة أياماً عديدة، محاولين الحصول على أي معطيات تمكنهم من تحديد أفراد المجموعة. وفي أحد الأيام، فوجئ العقيد غسان الطفيلي بالمديرة التنفيذية لشركة ألفا، الهولندية إنيكي بوتر، تتصل به وتصر على لقائه في أسرع وقت ممكن. حدد لها الطفيلي موعداً في منزله الذي زارته برفقة أحد مديري الشركة. كانت بوتر تشكو للطفيلي ضيقها من وجود أمنيين داخل الشركة، طالبة منه أن يأمرهم بالمغادرة. فأجابها الطفيلي بأن ما يقوم به المحققون يرتبط بجريمة كبرى، ولا يمكن فرض جدول رمني للتحقيقات، وبالتالي، فإن المحققين سيبقون المدة التي يشاؤون، من أجل الحصول على كل ما يريدونه. وعندما لمحت بوتر إلى عدم وجود إذن قضائي يسمح لمحققي الفرع التقني بالبقاء داخل الشركة طوال الوقت، رد عليها الطفيلي بالقول إن ثمة استنابة قضائية عامة، وإن عمل الاستخبارات يصنّف في خانة المصلحة العليا للدولة، و«يمكنك أن تشتكي عند أي مرجع تريدينه». وللتذكير، فإن بوتر هي ذاتها المديرية التي تدور حولها الشبهات، منذ أن غادرت لبنان في نهاية عام 2008، من دون إبلاغ رؤسائها، إذ إنها طلبت إجازة، وغادرت بيروت إلى قبرص، ولم تظهر منذ ذلك الحين.
فرع المعلومات يلحق الاستخبارات
في وقت لاحق، وبالتحديد في شهر أيلول 2005، توصل المكتب التقني في فرع المعلومات إلى النتيجة ذاتها التي كان قد توصل إليها الفرع الفني في مديرية استخبارات الجيش قبل نيسان من العام ذاته. وكان فرع المعلومات يلحق استخبارات الجيش «عالدعسة». فعلى سبيل المثال، توقف محققو فرع المعلومات طويلاً أمام إحدى لوائح الخطوط الخلوية الموجودة في شركة باور غروب، بعدما تبين لهم أن أرقام الخطوط الخلوية التي استخدمت يوم الجريمة تحمل على اللائحة علامات بقلم فوسفوري. ذهب المحققون بعيداً في استنتاجاتهم، قبل أن يتأكدوا من أن أحد موظفي الشركة كان قد وضع الإشارات الفوسفورية على الأرقام، بعدما سأله عنها محققو استخبارات الجيش بعد نحو 40 يوماً على وقوع الجريمة.
واستناداً إلى البرامج المعلوماتية التي كانت قد توافرت للفرع، رسم النقيب وسام عيد المسار الذي سلكه الحريري طوال الشهرين

توصل فرع المعلومات إلى النتيجة ذاتها التي كانت قد توصلت إليها استخبارات الجيش قبل 6 أشهر

 

احتجّت مديرة شركة ألفا التي غادرت لبنان فجأة على عمل استخبارات الجيش في الشركة

السابقين لاغتياله. وقد ارتكز عيد على أرقام ثلاثة ممن يرافقون الحريري بشكل شبه دائم، والذين كانوا يتلقون اتصالات على هواتفهم الخلوية خلال تحرك الموكب، وهم مستشاره الإعلامي هاني حمود ومدير مكتبه العقيد وسام الحسن ومرافقه الشخصي الشهيد يحيى العرب. ومن خلال بيانات الاتصالات التي كان يجريها ويتلقاها المذكورون، رسم عيد خريطة للطرقات التي كان يسلكها موكب الحريري.
وتبيّن لعيد والفريق العامل معه، بعد إجراء تحليلات للاتصالات المواكبة لهذا المسار، وجود ثمانية خطوط خلوية تمثّل مجموعة مقفلة (لا تجري اتصالات إلا في ما بينها)، هي ذاتها التي كانت الاستخبارات قد توصلت إليها سابقاً.
وكرّر فرع المعلومات الخطوات التحقيقية ذاتها التي أنجزتها الاستخبارات. استجوب عشرات الأشخاص، قبل أن يوقف، بناءً على إشارة النيابة العامة التمييزية، أربعة عاملين في تجارة الخلوي، هم رائد فخر الدين وماجد الأخرس وأيمن طربيه ومصطفى مستو. والاثنان الأخيران، أبقيا قيد التوقيف حتى بداية شهر آب عام 2008، من دون مسوّغ قانوني، سوى تضارب إفادتيهما مع إفادة رائد فخر الدين، إذ قال مستو وطربيه إنه هو من اشترى منهما عشرة خطوط خلوية، وإنه هو من باع ثمانية منها للمجموعة التي يعتقد أنها راقبت الحريري حتى لحظة اغتياله. فالتحقيقات التي أجراها فرع المعلومات مع الموقوفين جرت بعد نحو تسعة أشهر على بيع الخطوط، وكانت بعض التفاصيل قد غابت عن ذاكرتهم، وخاصة أنهم قاموا بعملية البيع على نحو اعتيادي، ولم يتوقفوا عند أي من تفاصيلها. وبحسب مسؤولين أمنيين متابعين للقضية، فقد تعرّض عدد من الموقوفين للضرب المبرّح خلال التحقيق معهم.
في النهاية، تبنّت لجنة التحقيق الدولية التنائج التي توصلت إليها مديرية استخبارات الجيش، ثم فرع المعلومات. والأخير، بعدما عجز عن إحداث خرق يمكنه من تحديد هويات أفراد المجموعة التي يعتقد أنها راقبت الحريري، لجأ إلى «حيلة» تحقيقية بُنيت عليها لاحقاً استنتاجات نظرية أدّت إلى نقل التحقيق باغتيال الحريري إلى مسار جديد، ظهر في صحيفة لو فيغارو في آب 2006، قبل صحيفة دير شبيغل بداية عام 2009.
انقر هنا لتنزيل عرض أنجزه النقيب الشهيد وسام عيد يظهر تحركات المجموعة المقفلة خلال الدقائق التي سبقت اغتيال الحريري. (الأسماء الواردة قرب أرقام الهواتف لا صلة لها بالجريمة، بل استخدمت من دون علم أصحابها لتسجيل الهواتف المشبوهة) .



اغتالا الحاج... لم يغتالاه

 

بعد أسبوع على اغتيال اللواء فرنسوا الحاج (12/12/2007)، أوقف فرع المعلومات في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي شابين من بلدة لالا في البقاع الغربي، إثر الاشتباه في ارتباطهما بتنظيم القاعدة وفتح الإسلام. وبحسب المعلومات الأمنية والقضائية، فقد عثر في حوزتهما على كمية من المتفجرات. عملية التوقيف، بحسب أمنيين متابعين لها، لم تكن متصلة بجريمة اغتيال الحاج. لكن ثمة معطيات ربطت بين الأمرين.
فبعد اغتيال الحاج، اتصل بالأجهزة الأمنية أحد الشهود قائلاً إنه شاهد الشخص الذي كان يقود السيارة المفخخة، مرتين، قبيل الجريمة. إذ التقى به في الطريق وهو يقود سيارته، ثم رآه في المكان الذي ركن فيه السيارة المفخخة قرب المجلس البلدي في بعبدا. وقد تمكن أحد المحققين من وضع رسم تشبيهي للمشتبه فيه، بناءً على الوصف الدقيق الذي أعطاه الشاهد الذي يعمل جراحاً تجميلياً.
وعندما أوقف فرع المعلومات الشابين في لالا، فوجئ المحققون بأن أحدهما، سليم أ، شبيه إلى حد بعيد بالرسم التشبيهي للمشتبه فيه. وقال أحد المعنيين بالملف إن الرسم التشبيهي يكاد يكون صورة للموقوف!
المفاجأة لم تقتصر على ذلك. فالرجل الذي باع، قبل أيام من الجريمة، السيارة لأشخاص يعتقد أنهم نفذوا عملية الاغتيال، كان قد أعطى مواصفات عامة لأحد الذين اشتروا السيارة، تنطبق على موقوف لالا الثاني، محمد ع.
وبناءً على ذلك، استدعى فرع المعلومات الرجل الذي باع السيارة، وعُرِضَ عليه الموقوف مع أربعة أشخاص آخرين. وطلب المحققون منه اختيار الشخص الذي يعتقد أنه اشترى السيارة منه. من دون تردّد، أشار البائع إلى الموقوف محمد ع.!
في الساعات اللاحقة، كان محققو فرع المعلومات يعتقدون أنهم توصلوا إلى كشف من اغتالوا العميد فرنسوا الحاج، وخاصة أن المعطيات الموجودة بين أيديهم تشير إلى أن الشابين الموقوفين مرتبطان بمجموعة من تنظيم القاعدة متمركزة في مخيم عين الحلوة، ويرأسها الناشط المعروف نعيم عباس. لكن الموقوفَين كانا ينفيان أي صلة لهما بالجريمة، مؤكدين أنهما كانا في البقاع عند حصول الجريمة وقبلها وبعدها.
انتقل محققو فرع المعلومات إلى العمل على البيانات الهاتفية، فلم يظهر فيها ما يثير الشبهة، إذ إنها أكدت أن الهواتف التي كان يستخدمها الموقوفان لم تغادر منطقة البقاع. كذلك أكدت إفادات الشهود أن الموقوفَين لم يغادرا البقاع الغربي خلال الأيام السابقة للجريمة، ولا يوم وقوعها.
ومن ناحية أخرى، كان المحققون قد تمكنوا من أخذ عينات بصمة وراثية (DNA) عن مقود السيارة المفخخة الذي عثر عليه في مسرح الجريمة. ولم تطابق أيّ واحدة من هذه العيّنات البصمات الوراثية للموقوفين. وبناءً على إشارة القضاء، أقفل التحقيق مع الشابين في هذه القضية، علماً بأن مسؤولين من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي يؤكدون أن الجيش ولجنة التحقيق الدولية حققا في إمكان وجود صلة للموقوفَين بجريمة اغتيال الحاج، وأن النتيجة التي توصل إليها الطرفان مطابقة للنتيجة التي توصل إليها فرع المعلومات.



تهديد وتراجع في التحقيق باغتيال حاوي

 

خلال التحقيق في جريمة اغتيال الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي (اغتيل يوم 21/6/2005)، قصد الشاهد بلال خ. مركز فرع المعلومات وأدلى بإفادة قال فيها إنه شاهد يوم 13/6/2005 شخصاً يتحدث عبر الهاتف، وينظر إلى المبنى الذي كان يقطن فيه حاوي. أضاف الشاهد إن الشخص المجهول تقدّم منه وعرّف عن نفسه بأنه يملك شركة في كورنيش المزرعة، وأنه يريد توظيف شاب للعمل ناطور مبنى. وبدأ الشخص المجهول يسأل بلال عن اسمه والمنطقة التي ينتمي إليها، قبل أن يزوّده برقم هاتف تبيّن لاحقاً أنه غير صحيح.
وقد وضع المحقّقون رسماً تشبيهياً قال بلال إنه يعود للشخص المشبوه بنسبة 30 في المئة.
ويوم 5/7/2005، اتصل بلال برئيس فرع المعلومات في حينه سمير شحادة، ليبلغه بأن أشخاصاً مجهولين أتوا إلى مكان سكنه في منطقة وطى المصيطبة، مدعين أن شحادة هو من أرسلهم، طالبين منه أن يرافقهم. وعندما رفض بلال فتح الباب لهم والخروج من منزله، غادروا. ونفى شحادة لبلال أن يكون هو من أرسل إليه مبعوثين.
لاحقاً، غادر بلال لبنان إلى فنزويلا، «خشية على حياته». وبقي في العاصمة الفنزويلية حتى شهر نيسان 2006، حين رجع إلى لبنان. وبعد عودته، قال إن أشخاصاً يتحدثون اللغة العربية بلهجة لبنانية صاروا يطاردونه في كراكاس، مدّعين أنهم رجال أمن لبنانيون، وهو الأمر الذي يعرفه أصدقاؤه وأقاربه اللبنانيون في فنزويلا.
وبعد عودته إلى لبنان، أعيد استجواب بلال في فرع المعلومات، وعُرِضَت عليه صور 6 أشخاص، للتثبت مما إذا كان بينهم من يشبه الشخص الذي وضع له رسم تشبيهي. لكن بلال أصرّ على أن هسام هسام، الذي كان قد ظهر على وسائل الإعلام أثناء وجود بلال في فنزويلا، هو الشخص الذي رآه قبل اغتيال حاوي بأسبوع قبالة منزل الأخير. لكن الضابط المحقق في فرع المعلومات طلب من بلال «التدقيق جيداً في الرسوم الشمسية» الستة، فاختار الشاهد واحداً منها، قائلاً إن صاحبه يشبه صاحب الرسم التشبيهي. إلا أن الشاهد بقي مصراً على أن من رآه قبيل اغتيال حاوي ليس سوى هسام هسام، وهو ما كرره أمام أصدقائه في لبنان وفنزويلا، علماً بأن ضابطاً من فرع المعلومات يؤكد أن المحققين كانوا قد عرضوا هسام هسام شخصياً على بلال (قبل ظهور هسام على وسائل الإعلام)، وأن بلال نفى وقتئذ أن يكون هسام هو الشخص الذي رآه قبل اغتيال حاوي.
بعد ذلك، أرسلت إفادة بلال الجديدة إلى لجنة التحقيق الدولية، من أجل الاستناد إليها في ملف يربط اغتيال حاوي باغتيال كل من الرئيس رفيق الحريري والصحافي سمير قصير ومحاولة اغتيال الوزير الياس المر.



الرواية الرسمية لقضية «الحجّاج الأوستراليّين»

 

في الأسبوع الأول الذي أعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أثارت قضية الحجاج الأوستراليين لغطاً كبيراً في الوسط السياسي والإعلامي. فيوم اغتيال الحريري، وردت إلى الأجهزة الأمنية اللبنانية معلومات عن مغادرة ستة أشخاص مطار بيروت الدولي، بعد أقل من ساعتين على وقوع الجريمة، وأن بينهم شخصاً يشبه أحمد أبو عدس. وهؤلاء هم لبنانيون من منطقة الشمال (معظمهم من المنية)، يحملون الجنسية الأوسترالية. حينذاك، أعلنت السلطات اللبنانية هذه المعطيات التي رأى بعض الأمنيين فيها مساراً جدياً ينبغي التدقيق فيه إلى النهاية. في المقابل، اتهمت القوى المعارضة لـ«النظام الأمني اللبناني ـــــ السوري المشترك» السلطات بمحاولة تضليل التحقيق عبر ابتداع رواية الحجاج الأوستراليين. في ما يأتي، تنشر «الأخبار» ما ورد حرفياً في محضر التحقيق اللبناني، وفي المراسلات التي بعثت بها السلطات الأوسترالية عبر الأنتربول إلى السلطات اللبنانية.
يورد المحضر الرقم 128/302 (تاريخ 15/2/2005، نظّمه رئيس فرع المعلومات حينذاك العقيد فؤاد عثمان) المعطيات الآتية:
«بنتيجة المتابعة توافرت معطيات عن أسماء بعض المشتبه فيهم وهم:
يوسف ر. وسام ر. مصطفى ر. كامل ح. أيمن س. محمد ع.
تبيّن أن المذكورين غادروا الأراضي اللبنانية الساعة 14.40 من تاريخ 14/2/2005 على متن طائرة تابعة لطيران الخليج متجهين إلى دولة البحرين ومنها إلى سيدني ــــــــ أوستراليا.
بناءً على إشارة القضاء المختص سُطّر كتاب إلى أنتربول كانبيرا في أوستراليا للعمل على توقيف الأشخاص المذكورين.
بتاريخ 16/2/2005 ورد جواب الشرطة الفيدرالية الأوسترالية وتضمّن ما يأتي:
بنتيجة الإجراءات المتخذة حُدّدت هوية الأشخاص الستة كما يأتي:
يوسف ر.: مولود في 31/5/1980.
وسام ر.: مولود في 3/4/1981.
مصطفى ر.: مولود في 30/6/1977.
كامل ح.: مولود في 18/8/1977.
أيمن س.: مولود في 25/11/1983.
محمد ع.: مولود في 16/6/1979.

أكدت الرسالة الأولى وجود آثار متفجّرات على مقعدي اثنين من الركاب

أثبتت التحريات أن الأشخاص الستة وصلوا إلى مطار سيدني الساعة 8.45 مساءً من تاريخ 15/2/2005 على متن الرحلة الرقم GA148.
اشتبهت السلطات اللبنانية في الأشخاص الستة المذكورين أعلاه بناءً على المعلومات الآتية:
* غادر الستة مطار بيروت بعد ساعة ونصف من عملية التفجير.
* لم يكن في حوزتهم أي حقائب.
* تبيّن أن واحداً من الأشخاص الستة يشبه شخصاً ظهر في شريط فيديو عائد لمجموعة متطرفة أعلنت مسؤولياتها عن التفجير.
إن السلطات اللبنانية تعي جيداً أن السلطات الأوسترالية ستواجه صعوبة كبيرة في إصدار مذكرات توقيف بحق الأشخاص الستة بناءً على هذه المعلومات فقط، وقد أفادتنا الوحدة المختصة بالاسترداد في مكتب النائب العام بأنه لا يمكن إصدار مذكرات توقيف بناءً على المعلومات المذكورة أعلاه.
بعد مراجعة طيران الخليج AIR GULF، تبيّن أن الأشخاص الستة كانوا من بين مجموعة من 14 شخصاً حجزوا بطاقات سفر الى جدة بغية أداء فريضة الحج، علماً بأن عملية حجز بطاقات السفر جرت في 21/12/2004 على أن تكون العودة الى أوستراليا في 15/2/2005. نظراً إلى عدم توافر رحلات مباشرة الى جدة، جرى حجز بطاقات سفر الى بيروت على أن تتولى المجموعة حجز بطاقات السفر من بيروت الى جدة.
حوالى الساعة 14.30 من نهار الثلاثاء الواقع فيه 15/2/2005 عقد اجتماع في مقر الشرطة الفدرالية الأوسترالية في كانبيرا شاركت فيه كل الوكالات المعنية، وجرى تبادل كل المعلومات التي جمعت حتى تاريخه. عقب الاجتماع، اتفق على أن تتولى الشرطة الفدرالية الأوسترالية استجواب أعضاء المجموعة عند وصولهم الى المطار في سيدني.
من جهته، أعطى مكتب سيدني لمكافحة الإرهاب التعليمات الأخيرة بشأن هذه المسألة وتولت الشرطة الفدرالية الأوسترالية المسؤولية عن الرد الميداني طلب المساعدة من الوكالات (الآتية): ضابط الارتباط المسؤول عن الحماية الأمنية PSLO، جهاز الجمارك الأوسترالي، إدارة النقل DOTARS، شرطة نيو ساوث ويلز، إدارة الهجرة DIMIA، مدير النيابة العامة CWDPP.
من جهتها، تولت شرطة نيو ساوث ويلز تأمين وسائل إضافية لدعم الرد الميداني. وبعد أن تستجوب الشرطة الفدرالية الأشخاص المعنيين، سيخضعون لإجراءات خاصة بالعلوم الجنائية (أخذ عينات عن بقايا مواد متفجرة).
فضلاً عن ذلك سيعمل جهاز الجمارك على إخضاع حقائب المعنيين ومقاعدهم في الطائرة للتصوير بالأشعة بحثاً عن بقايا مواد متفجرة، وسترسل الكلاب المختصة بالكشف عن القنابل الى الطائرة.
النتيجة:
حوالى الساعة 20:45 وصلت الرحلة رقم GA148 الى مطار سيدني. وفور وصولها خضع المعنيون لتفتيش دقيق حيث تبيّن أن الأشخاص الستة المشتبه فيهم يحملون معهم حقائب خلافاً للمعلومات الواردة أعلاه.
وبعد الانتهاء من تفتيش الحقائب، خضع عشرة أشخاص من المجموعة للاستجواب، من بينهم الأشخاص المشتبه فيهم، علاوة على كل من خالد م. وتقي الدين ع. وعاطف ش. وطه م.
لم تستجوب رؤيا ج، ولم يجر تحويلها الى الشرطة الفدرالية الأوسترالية عقب تفتيش حقائبها.
أما الأشخاص الثلاثة الباقون من المجموعة، فلم يسافروا برفقتهم.
بعد استجواب المجموعة جاءت الأجوبة كلها متماسكة، إذ أكدوا جميعهم أنهم سافروا بغية أداء فريضة الحج، وأنكروا تورطهم في عملية التفجير أو معرفتهم بأي معلومات عنها.
الجدير ذكره أن المشتبه فيهم كانوا متعاونين جداً خلال استجوابهم.
طُلب من الاشخاص الستة الخضوع لفحص جنائي بحثاً عن بقايا مواد متفجرة. وافق ثلاثة منهم على الخضوع لهذا الإجراء وهم: يوسف ر. ومحمد ع. ووسام ر.
ستنقل هذه العينات الى مركز الأبحاث الجنائية للمعاينة.
بعد معاينة المقاعد في الطائرة، عثر على آثار صغيرة لمادة الـTNT على مقعدي وسام ر. ومحمد ع.
في نهاية الأمر، أطلق سراح المعنيين وغادروا المطار من دون وقوع أي مشاكل.
نعلمكم أن المواطن الفلسطيني المقيم في لبنان المدعو أحمد تيسير أبو عدس لم يكن من بين ركاب الطائرة.
سنعلمكم بنتيجة معاينة العينات فور الانتهاء منها».
(انتهت رسالة السلطات الأوسترالية)
يضيف المحضر:
بتاريخ 22/2/2005، ورد كتاب من أنتربول كانبيرا في أوستراليا تضمن ما يأتي:
بتاريخ 22/2/2005 جرى تسلّم تقرير مكتب العلوم الجنائية الكيميائية التابع للشرطة الفدرالية الأوسترالية وتضمن ما يأتي:
«بعد تحليل ما جرى رفعه من المشبوهين الثلاثة، لم يعثر على أي بقايا متفجرات عادية عضوية أو غير عضوية أو أي آثار لمواد متفجرة».
بناءً على ما تقدم أعلاه، ومن خلال التحقيقات الأخرى المجراة، يمكن الاستنتاج بأن جميع الأشخاص المستجوبين ليس لهم أي علاقة بالتفجير وليسوا على معرفة بالمتورطين.
ستتولى الشرطة الفدرالية الأوسترالية ختم التحقيق».
(انتهت الرسالة الثانية).
وبعدما راجع فرع المعلومات سجلات المديرية العامة للأمن العام، تبيّن أن حركة سفر الأشخاص الستة المذكورين أعلاه خلال الشهرين السابقين لاغتيال الحريري كانت وفقاً للآتي:
دخلوا لبنان آتين من البحرين يوم 31/12/2004، وغادروا إلى السعودية يوم 1/1/2005.
دخلوا لبنان آتين من السعودية يوم 25/1/2005، وغادروا يوم 14/2/2005 إلى أوستراليا.
بعد ورود أجوبة السلطات الأوسترالية إلى السلطات اللبنانية، وبعد الاستماع لإفادات عدد من أقاربهم في لبنان، «لم يتبيّن وجود ما يثير الشبهة في قضيتهم»، فأقفل التحقيق في هذه المسألة.

  • «
  •  Start 
  •  Prev 
  •  1 
  •  2 
  •  3 
  •  4 
  •  5 
  •  Next 
  •  End 
  • »
Page 1 of 5